الصادق يسين يكتب | علي خطي الاصلاح |..لاسمك حظ من صفاتك.. يا جمال “الوالي”..!!

النَّاسُ للنَّاسِ ما دَامَ الوفاءُ بِهِمُ … والعُسْرُ واليُسْرُ أوقاتٌ وساعاتُ
وأكرمُ النَّاسِ ما بينَ الورى رجلٌ … تُقضى على يدِهِ للنَّاسِ حاجاتُ
لا تقطعنَّ يدَ المعروفِ عن أحدٍ … ما دمتَ تقدرُ والأيَّامُ تاراتُ .
عفواً أحبتي.. لا أريد اليوم وخلافاً لعادتي في الكتابة أن أسطر كلماتٍ تتقاصر أمام قامة ممدوحها الحروف لكنها شهادة حق في رجل لا نزكيه على الله بل نسوقها من باب (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).
أشهد الله أنني وطوال مسيرتي الصحفية التي تجاوزت الخمسة والعشرين عاماً لم ألتقِ بهذا الرجل إلا من بعيد حتى خطّ هذه السطور .. كنت أرقبه في المواقف المظلمة التي يفتقد فيها الناس أمثاله .. صبوح الوجه بسام .. قليل الكلام كثير الفعال يعمل في صمتٍ مَهيب ويدٍ حانية بعيداً عن صخب الإعلام وكاميراته التي طالما طاردته لتوثق جليل أعماله وكريم خصاله .. هي شهادة نطق بها حتى أولئك الذين لا يعرفون المداهنة أو التملق.
غبار المعارك وصناعة الرجال..!!
ما حدث في السودان من حربٍ ضروس ترك ظلالاً قاتمة على كل بيت غنيهم وفقيرهم متعففهم وصابرهم . لكن ووسط غبار المعارك وهدير المدافع الذي غيّر ملامح بلادنا الحبيبة بقيت تفاصيل الهوية السودانية الأصيلة ناصعة لا تتغير بل صُقلت في وجوه رجالٍ صُنعوا على عين الوطن .. رجالٌ أدركوا أن الدنيا عاريةٌ مستردة وأن المال فيها مال الله وأنهم ليسوا سوى مستخلفين فيه .
وحين رمت أقدار الحرب بأبناء شعبنا الصابر في منافي الأرض ومهاجرها وضاقت عليهم بلاد الله بما رحبت برز أبناء الوطن الأوفياء الأتقياء ومن بين كثر منهم كان هناك رجلٌ اخر من طراز فريد إنه (جمال الوالي).
لا أريد أن أقصم ظهره بالمديح فالذبن استحقوا ذلك كثر .. ولكنها شهادة مستحقة لرجُل لم يلتفت يوماً لما خسره في هذه الحرب ولم يتباك على ما ضاع من شقاء العمر بل التفت
بكليته لما يمكن أن يقدمه لأصحاب العوز والحاجة الماسة .. لم تمنعه جراحه الخاصة وخساراته التجارية من مداواة جراح الآخرين .. كثرٌ هم رجال المال والأعمال في بلادي لكن (جمال) كان أمةً وحده في العطاء والوفاء لبلده وأهله منذ افتقد الناس أمثاله كان واقفاً كالعلم العظيم يسد فرقة المحتاج ويعين الملهوف ويقضي الدين ويكفكف دموعاً جففها قهر اللجوء والتشتت ومذلة السؤال .
اليد البيضاء في زمن الشدة
عذراً أخي جمال إن سالت حروفي مدحاً لك دون إذنك فقد أبت إلا أن تستكين طيعةً لتخرج معبرة عن شكرٍ تستحقه وموقفٍ توثقه لك الأيام والسنين. نعلم جميعاً حجم الوجع ونعلم أن النيران لم تلتهم البيوت والمصانع والشركات فحسب بل التهمت شقاء العمر وكنت أنت في مقدمة من طالهم الأذى البليغ والنهب العياني .. لكن الله كتب لك صبراً يهدّ الجبال فلم يهتز لك طرف ولم يُغلق لك باب في وجه
طارقه ليلا أو نهارا ولم تقبض يدك عن طالب مما اعطاك الله ولم تنطق بـ “نفسي نفسي” كما فعل كثير من أصحاب المال وضعاف البشر عند وقع المصائب.
في أزقة الغربة ودروب اللجوء والمنافي كنت أنت ذلك النبيل الذي يتفقد الرعية للأمهات والكبار .. كنت السند والابن البار الذي ظل يمسح عن وجوه تلك الاسر مرارة الآلام وضنك السنين.
للمرضى والموجوعين كانت يداك تحمل الرحمة لمن يبحث عن الدواء والاستشفاء في زمنٍ عزّ فيه الدواء بعد ان شقّ فيه العلاج.
لقد كنت بمثابة (العون الخفي) الذي يصل في السر ليحفظ للمرء ماء وجهه وكبريائه ولا أظنني أبالغ أن قلت لك.. كنت (دولةً في رجل يوم أن غابت المؤسسات عن الناس).
قوارب النجاة في ليل المنافي
إن عظمة هذا الرجل لا تكمن في حجم ما قدم فحسب بل في التوقيت .. فالعطاء وقت الرخاء سهلٌ ومتاح لكن الجود في زمن الشدة والمصيبة وحين يتساوى الغني والفقير في ألم الفقد هو خصلة الأنبياء والصالحين.. نشهد الله أن الظروف لم تغيّر فيك شيئاً وأن النعمة لم تزدك إلا تواضعاً ولم تسلبك الفجيعة كرمك الأصيل.
حين تنتهي هذه الحرب ..وستنتهي بإذن الله عن قريب وتُكتب تفاصيل هذه المرحلة المظلمة من تاريخنا لن يذكر التاريخ قادة المعارك وحدهم بل سيخلّد بمداد من نور أسماء الأنقياء الذين أضاءوا عتمة الملاجئ والمنافي وكانوا قوارب النجاة لآلاف الأسر.
إلى ابن البلد الأصيل جمال الوالي
بورك لك في صحتك وعافيتك وعوّضك الله في الدنيا والآخرة خيراً مما أُخذ منك .. إن أمثالك هم الضمان الحقيقي بأن السودان لن يموت وأن طينة أرضنا ستظل تُنبت الخير .. ولو سُقيت بدموع الحروب إنابة عن كثير من الأسر السودانية العفيفة اسمح لي اخي أن أقول لك شكرا وجزاك الله عن ماقدمته ولاتزال كل خير .. فهو الذي يجزي عن الحسنة بعشرة أمثالها ويزيد لمن يشاء .





