مقالات

النسيان.. نعمة تُنقذ الإنسان من نفسه

عبق الذاكرة | هدى الخليفه النور

 

في حياة الإنسان أحداث ومواقف لا تُنسى بسهولة، بعضها جميل يترك في القلب أثرًا من السعادة، وبعضها مؤلم يخلّف جروحًا عميقة قد تستمر سنوات طويلة. وبين هذا وذاك، يبقى النسيان إحدى أعظم النعم التي منحها الله للبشر، فهو ليس ضعفًا في الذاكرة كما يظن البعض، بل آلية رحيمة تساعد الإنسان على الاستمرار في الحياة.

لو احتفظ الإنسان بكل تفاصيل أوجاعه وخيباته وفقدانه بنفس القوة التي حدثت بها، لتحولت الحياة إلى عبء ثقيل لا يُحتمل. فكم من شخص فقد عزيزًا، أو تعرض لخذلان، أو عاش تجربة قاسية، ثم ساعده الزمن على تجاوزها عبر ذلك التراجع التدريجي لحدة الذكريات. هنا يظهر النسيان كدواء غير مرئي، يعمل بصمت ليخفف الألم ويمنح القلب فرصة جديدة للحياة.

وليس النسيان دائمًا تخليًا عن الذكريات، بل هو إعادة ترتيب لها. فالإنسان لا يمحو الماضي تمامًا، وإنما يتعلم كيف يضعه في مكانه الصحيح، بعيدًا عن سيطرة الحزن والغضب. لذلك نجد أن كثيرًا من الجراح التي ظن أصحابها أنها لن تندمل، أصبحت بعد سنوات مجرد ذكريات تُروى دون دموع.
وفي المقابل، قد يكون النسيان ضرورة اجتماعية أيضًا. فالعلاقات الإنسانية لا تستمر إذا ظل الناس يستحضرون كل خطأ وكل إساءة وكل موقف سلبي. التسامح في جوهره نوع من النسيان الواعي، واختيار متعمد لعدم البقاء أسرى للماضي.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول النسيان إلى هروب من المسؤولية أو تنكر للواجبات والحقوق. فهناك أمور يجب ألا تُنسى، مثل القيم والمبادئ والعهود، وذكريات الأشخاص الذين تركوا أثرًا طيبًا في حياتنا. فالتوازن هو أن ننسى ما يؤذينا دون أن ننسى ما يُعلّمنا.

إن النسيان ليس عدوًا للذاكرة، بل شريكها في حماية الإنسان. فكما نحتاج إلى التذكر لنحفظ تجاربنا ونبني مستقبلنا، نحتاج أيضًا إلى النسيان لنخفف أعباء الماضي ونمنح أنفسنا فرصة جديدة للأمل.
وفي النهاية، ربما لا تكون قوة الإنسان في قدرته على التذكر فقط، بل في معرفته متى يتذكر، ومتى يترك بعض الذكريات ترحل بهدوء، حتى تستمر الحياة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى