مقالات

الأزمة الاقتصادية… حين يصبح الإصلاح العاجل واجبًا وطنيًا

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 

لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام تتداولها النشرات المالية، ولا حديثًا عامًا عن سعر الصرف أو عجز الموارد، بل صارت واقعًا يوميًا يضغط على حياة الناس في الغذاء والدواء والوقود والدقيق والمواصلات والإيجارات ومدخلات الإنتاج وكل تفاصيل المعاش. ولم تعد آثارها محصورة في السوق أو المصارف أو دوائر التجارة، بل امتدت إلى البيوت، والموائد، والمستشفيات، والمزارع، والورش، والطرق، وكل موضع يتصل بحياة المواطن واستقرار المجتمع.

ويعاني السودان اليوم من شبكة متداخلة من الإشكالات: ارتفاع الأسعار، وشح بعض السلع، واضطراب الإمداد، وضعف القوة الشرائية، وتآكل قيمة الجنيه، وتمدد السوق الموازي، وكثرة المضاربات، واتساع التهريب، وضعف الإنتاج، وكثرة الشعارات، ومطالبة المنتجين بالعمل من غير تهيئة كافية لبيئة الإنتاج، والإفراط في التصريحات والمناشدات بدل القرارات الجذرية، مع ضعف الثقة في القنوات الرسمية، وتعدد الرسوم والجبايات، وغموض السياسات، وبطء الإجراءات، وتردد المستثمرين، وخوف المواطن من المستقبل. وهذه كلها ليست أزمات منفصلة، بل حلقات في أزمة واحدة عنوانها اختلال البيئة الكلية التي يعمل داخلها الاقتصاد.

والحق أن تدخل الدولة بالإصلاح الجاد كان ينبغي أن يكون سريعًا منذ أزمنة سابقة، لا اليوم فقط؛ فهذه الإشكالات لم تولد في لحظة واحدة، وإنما تراكمت عبر عقود من السياسات المختلة، والتأجيل، والتردد، والمعالجات الجزئية. وكلما تأخر الإصلاح اتسع البلاء، وكلما اتسع البلاء وجب أن يكون التدخل أسرع وأحسم، لأن ما كان يمكن علاجه بالأمس بإجراء محدود، لا يعالج اليوم إلا بحزمة كبيرة واضحة وجريئة.

غير أن سرعة التدخل لا تعني التعجل المرتبك، ولا تعني مطاردة الأزمات بعد وقوعها، ولا الاكتفاء بحملات أمنية ضد التهريب والمضاربات والاحتكار، مع أهمية ذلك في موضعه، بل تعني سرعة إصلاح أصل الخلل. فحين تكون القنوات الرسمية بطيئة أو مقيدة أو غير عادلة، وحين يتعدد السعر، وتكثر الرسوم، وتضعف الثقة في النظام المصرفي، وتطول الإجراءات، يصبح الطريق غير الرسمي أوسع من الطريق الرسمي، وتجد الطفيلية والسمسرة والاحتكار فرصتها في الظلام.

ومن هنا فإن الحل الحقيقي يبدأ من صلاح البيئة العامة للاقتصاد، لا من ملاحقة النتائج وحدها. وصلاح هذه البيئة يعني تحرير سعر الصرف تحريرًا شفافًا ومنظمًا عبر منصة معلنة، حتى ينتهي تعدد الأسعار وتعود الثقة إلى القنوات الرسمية؛ ورقمنة الجمارك والضرائب والتجارة والتحويلات، حتى تعرف الدولة حقها وتنتهي الفوضى والتلاعب؛ وتوحيد الرسوم والجبايات وتبسيطها، حتى لا يصبح الإنتاج والتجارة عبئًا يدفع الناس إلى السوق الموازي والتهريب؛ وحماية المنافسة ومنع الاحتكار، حتى لا تتحكم قلة محدودة في السلع والأسعار والمعلومات؛ وتسهيل تحويلات المغتربين وضمان حرية السحب والتصرف، حتى يعود الدولار إلى القنوات الرسمية طوعًا لا بالاستعطاف؛ وضبط حصائل الصادر ومحاربة التهريب بالسياسات الصحيحة قبل المطاردات؛ وحماية الاستثمار والملكية والعقود بقضاء ناجز وقوانين مستقرة، حتى يدخل المستثمر الوطني والأجنبي بثقة؛ وتوجيه الحماية الاجتماعية إلى المستحقين مباشرة وشفافية، بدل تشويه الأسعار وإضعاف السوق.

وهذه الحزمة من الإصلاحات ليست علاجًا ظرفيًا لأزمة عابرة فحسب، بل هي أساس علاج إشكالات الدول والسير بها نحو النهضة في أي مرحلة كانت: سلمًا أو حربًا، غنى أو فقرًا، استقرارًا أو اضطرابًا. وإنما الفارق أن الدولة كلما كان وضعها أكثر حرجًا، كانت حاجتها إلى الهروع لهذه الإصلاحات أسرع وأوجب؛ لأن تأخير العلاج في حال الخطر لا يحفظ الاستقرار، بل يضاعف الكلفة، ويوسع الخلل، ويجعل الإصلاح اللاحق أشد إيلامًا وأعلى ثمنًا.

فإذا صلحت هذه البيئة الكلية، بدأت آثار الإصلاح تظهر في كل اتجاه: ينكمش السوق الموازي، وتعود التحويلات، ويتحرك الإنتاج، ويدخل المستثمرون، وتتسع الصادرات، وتتوفر فرص تمويل البنى التحتية عبر الشراكات وصيغ التمويل المختلفة ومنها البناء والتشغيل والتحويل BOT، وتتحسن قدرة الدولة على تحصيل مواردها، وتتحول الموارد من خامات محدودة العائد إلى سلاسل قيمة تخلق العمل والعملة والمعرفة، ويجد المواطن أثر ذلك في استقرار السلع وتراجع حدة المعاناة.

ولا يعني ذلك أن المعاناة ستختفي فورًا بمجرد إعلان الإصلاحات أو بدء تطبيقها؛ فالأزمات التي تراكمت عبر عقود لا تزول في أيام، وآثار الحرب والاختلال الاقتصادي تحتاج إلى وقت حتى تنحسر. لكن السير في طريق الإصلاح الجاد، ولو ظهرت ثماره تدريجًا، خير بلا شك من ترك الفساد والاختلال يتصاعدان حتى يفضيا إلى هلاك اقتصادي واجتماعي شامل.

إن الأزمة لم تعد تحتمل إدارة يوم بيوم، ولا تصريحات ومناشدات، ولا حلولًا جزئية، ولا انتظارًا لموارد طارئة تأتي من الخارج ثم تذوب في ذات البيئة المختلة. وما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد تهدئة مؤقتة للسوق، بل قرار كبير ينقل الاقتصاد من بيئة الاضطراب والظلام إلى بيئة الثقة والإنتاج والاستقرار.

فالنهضة لا تبدأ من الشعارات، ولا من المناشدات، ولا من لوم المواطن أو المغترب أو المنتج، وإنما تبدأ من إصلاح البيئة التي تجعل المواطن يعمل مطمئنًا، والمغترب يحوّل طائعًا، والمستثمر يدخل واثقًا، والمنتج يوسع نشاطه، والدولة تحصل حقها بعدل وشفافية. ومن هنا، فإن سرعة التدخل مطلوبة، لكنها لا تنجح إلا إذا كانت السرعة في إصلاح أصل الخلل، لا في مطاردة نتائجه فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى