مقالات

دارفور والسعي الأجنبي الخبيث لفصلها قهراً وقسراً !!

صديق البادي يكتب |

دارفور كانت مظلومة تاريخياً في عهد الحكم الثنائي أو بالأحرى في عهد الحكم الاستعماري البريطاني ووجدت اهمالاً وعدم اهتمام في بعض العهود الوطنية ولم يكن بعض الحكام والسياسيين يتذكرونها إلا في مواسم الانتخابات وكانوا أحياناً يصدرون لها مرشحين من العاصمة ليصبحوا نواباً في البرلمان ممثلين لأحزابهم في دوائر بدارفور وهم من غير أهل دارفور وفي هذا تعالي ونزع لحقوق الآخرين والاستهزاء بهم … ولم تكن توجد بدارفور الكبرى مدرسة حكومية وسطى واحدة ولذلك كون الأعيان في دارفور لجنة أهلية وجمعوا تبرعات نقدية وعينية من الأثرياء ومن كافة المواطنين بقدر استطاعة كل منهم وأقاموا مدرسة أهلية

وسطى ليست حكومية بمدينة الفاشر عام 1945م . وفي عام 1950م افتتحت أول مدرسة حكومية وسطى وفي عهد الحكم الوطني اقيمت مدرسة الفاشر الثانوية … وأبكار المتعلمين من أبناء دارفور درسوا قبل إنشاء هذه المدارس في مدرسة الدويم الريفية الوسطى وفي غيرها من المدارس الوسطى ودرسوا المرحلة الثانوية بحنتوب الثانوية ووادي سيدنا الثانوية اللتين أنشأتا في عام 1946م وفي خور طقت الثانوية التي افتتحت في عام 1950م وفي المدارس الثانوية الأخرى بالعاصمة وغيرها . وكان كشف التنقلات وسط المعلمين وكافة الموظفين يصدر من

الرئاسة بالعاصمة ويتم التوزيع على كافة المديريات والمناطق بإنحاء السودان المختلفة ولذلك لم تعاني دارفور نقصاً في هذا الجانب . وكانت توجد نقاط غيار وشفخانات عددها أقل منها وعدد المستشفيات كان محدوداً وتعاني من نقص في الاخصائيين وحتى ستينيات القرن الماضي وربما بعدها بقليل لم يكن يوجد بها تصوير بالأشعة كما حدثني طبيب متقاعد عمل بدارفور ومن يحتاج لذلك وفقاً لنصيحة الطبيب فعليه أن يذهب للأبيض أو العاصمة أو غيرهما . أما الكهرباء فقد كانت نادرة ويتم الحصول عليها بمولدات تعمل بالديزل وينعدم وجودها في مناطق كثيرة . وكانت دارفور تعاني أشد المعاناة من العطش . وفي عام 1970م قاد

الرئيس جعفر محمد نميري حملة داخلية وعالمية لمحاربة العطش في دارفور ونجحت الحملة نجاحاً منقطع النظير ووجدت تجاوباً واستجابة وتبرعات ودفعاً سخياً وأسفر ذلك عن انهاء تلك المعضلة العصيبة وفي جولات الرئيس نميري في دارفور أثناء تلك الحملة وجه بإحضار عدد من طواحين الغلال وتوزيعها في عدد من المناطق التي يمر بها وجاء في أنباء تلك الأيام أن سكان إحدى المناطق تجمعوا من بعض القرى المجاورة وأقاموا حفلاً كبيراً بمناسبة تسليمهم تلك الطاحونة التي اراحت النساء من طحن الغلال (بالمراحيك) .
وفي ربع القرن الأخير نالت دارفور الكبرى بكافة ولاياتها حظها ونصيبها كاملاً من السلطة والثروة وإذا نشرت على

الملأ قوائم وأسماء شاغلي الوظائف الدستورية السيادية والتنفيذية والتشريعية على كافة المستويات الاتحادية والولائية والمحلية فإن دارفور تكون الأولى المتفوقة على كافة ولايات السودان الأخرى (وأقاليمه وفق الوضع السابق قبل توزيع الأقاليم لولايات ) أما بالنسبة لقسمة المال فإن العاملين المختصين في وزارة المالية الاتحادية وفي صندوق دعم الولايات قبل حله فإنهم يؤكدون بالأرقام أن دارفور الكبرى بكل ولاياتها كانت تتمتع بميزانية ووضع مالي استثنائي خاص بها يفوق بقية الولايات الأخرى جبراً لكسر الضرر ومعالجة الأخطاء حدثت تجاهها في عهد الاستعمار أو في بعض عهود الحكم بعد الاستقلال . وتم اكمال قيام طريق الانقاذ الغربي رغم اللغط الذي دار حوله وما سبقه من ملاسنات وعبارات لاذعة فيها تهديد مبطن بكشف المسكوت

عنه (خلوها مستورة) وحدثت في ربع القرن الأخير طفرة في الخدمات التعليمية والصحية وغيرهما وحصلت دارفور بالسلم ما لم تحصل عليه بالحرب وحمل السلاح الذي لم ينجم عنه إلا الدمار والخراب وحصاد الهشيم … وحركات التمرد الحاملة للسلاح بدارفور كانت في بداياتها الأولى صغيرة لا تملك مالاً وتملك اسلحة صغيرة قليلة تم الحصول عليها من كميات السلاح الكبيرة التي كانت ترد لدارفور من ليبيا وغيرها من دول الجوار . وفي البداية ظهرت حركة تمرد في دارفور وتمركز جزء كبير منها في جبل مرة وأخذت قيادات الحركة ترسل تهديدات بأنهم سيقاومون بالسلاح إذا لم يتم التفاوض معهم والنظر في مطالبهم بعين الاعتبار

وقابلت السلطة الحاكمة تهديداتهم باستخفاف وازدراء واستهزاء ووصفهم بأنهم قطاع طرق وشذاذ آفاق لا وزن لهم وفي بعض اللقاءات الجماهيرية التي تنقل على الهواء مباشرة صدرت ألفاظ غير لائقة بطريقة استفزازية هوجاء فيها حماس زائد وغرور سلطوي وأثارت غضب كثير من المواطنين الدارفوريين الذين لا علاقة لهم بالتمرد وحمل السلاح . وانقسمت هذه الحركة لحركتين تحملان ذات الاسم (حركة تحرير السودان) مع إضافة صفة لكل منهما تميزها عن الأخرى وظهرت حركة أخرى هي حركة العدل والمساواة التي ينسب لبعض قادتها مع أطراف أخرى إعداد ونشر الكتاب الأسود . وكان ضرب مطار الفاشر في عام 2003م

 

الذي أثار اهتماماً اعلامياً محلياً وعالمياً هو الهجوم المفصلي للتمرد وتوالى هجوم التمرد بعد ذلك على مقرات الجيش والقوات النظامية الأخرى ومقار الحكومة وكان المتمردون يضربون بأسلحتهم ويفرون هاربين ويحتمون بالقرى ويتخذون من سكانها الآمنين دروعاً بشرية وفي هذا جبن وعدم مروءة وكانت الحكومة ترد بعنف بقواتها على أمكان تواجد المتمردين وكانت تحدث بين الطرفين مواجهات دموية يقتل فيها أبرياء لا ذنب لهم ويفر الكثيرون ويهجرون قراهم ليقيموا في معسكرات النازحين وتقع المسؤولية على الطرفين وتمدد التمرد بعد ذلك ووجد دعماً مالياً ولوجستياً ضخماً وأصبح يمتلك اسلحة خفيفة وثقيلة وعربات دفع رباعي لا حصر لها وأموالاً طائلة تسلم لقادة الحركات المسلحة لتسيير وتيسير أمورهم وتقديم الاعاشة للمقاتلين

من حملة السلاح . وأخذت الآلة الإعلامية الغربية الأخطبوطية لفترة غير قصيرة تبدأ نشراتها الاخبارية وتنهيها بما كانت تصفه بمأساة دارفور الإنسانية وكانت تضخم الأحداث وتهولها وتجعل من كان حبة صغيرة قبة كبيرة ثم همدت وخمدت وانتهت تلك الحملة الاعلامية الأندروسية الشرسة . وحدثت في دارفور صراعات قبيلة وإثنية حادة وظهرت تسميات جاهلية عنصرية بغيضة (زرقة وعرب) والجنجويد وما إلى ذلك . وكان بعض المسؤولين غير المسؤولين في المركز يصبون الزيت على النار ليزداد اشتعالها بدلاً عن أن يعملوا على اخمادها واطفائها …. وجرت مفاوضات كثيرة في عدد من عواصم دول أخرى مثل أبوجا والدوحة …. الخ بين وفد الحكومة ووفود حركات التمرد … ودولة قطر قدمت دعماً مالياً وعينياً

ضخماً لتنمية دارفور وتقديم الخدمات فيها . وجهودها مشكورة ملموسة محسوسة ودورها لا ينكره إلا جاحد . وبعض أبناء دارفور ساهموا في تقديم خدمات لقراهم ومناطقهم من أموالهم الخاصة أو بعلاقاتهم مع الآخرين في الداخل والخارج واقام آخرون منظمات كثيرة بإدعاء أنهم يريدون جلب تبرعات ومساعدات من منظمات خارجية وتقديمها للنازحين وللاجئين وغيرهم دون أن يظهر لذلك أثر …… وبعد توقيع اتفاقيات مع الحكومة في العهد السابق شاركت بعض الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح في السلطة وكانت السلطة الحاكمة سخية في دفع المال الكثير وتوزيع المناصب لكل شريحة صغيرة تتمرد على الحركة الأم التي تنتمي إليها وكثرت هذه الشظايا والحركات الصغيرة

وبلغ عددها قبل وبعد توقيع اتفاقيات جوبا حوالى خمسة وثمانين حركة ونشرت على الملأ اسماؤها واسماء قادتها وكانوا في الفترة الانتقالية قبل اندلاع الحرب ينتظرون أخذ نصيبهم وحصتهم من كيكة السلطة ولو على مستوى الولايات والمحليات والوحدات الإدارية .
وفي عهد الفترة الانتقالية عقدت مفاوضات في مدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان بين وفد الحكومة ووفود الحركات الحاملة للسلاح والتركيز جله في المفاوضات كان على دارفور واشترك في المفاوضات عدد من قادة الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح وعدد من الذين وصفوا بأنهم أهل المصلحة من غير الحاملين للسلاح من أبناء دارفور بالإضافة لأن عدداً من المشاركين في وفد الحكومة كانوا

من أبناء دارفور وتطابقت رؤاهم جميعاً كوقع الحافر على الحافر. وكانت أيام المفاوضات فرصة لهم للتصافي والتعافي وتبادل الربت على الاكتاف وتجاوز خلافاتهم السابقة وتناسي ثاراتهم والمعارك الدموية التي درات بينهم …. وفور التوقيع على اتفاقيات السلام في جوبا كان المفترض وضع السلاح كما حدث بعد توقيع اتفاقية السلام بين وفد الحكومة ووفد حركة التمرد الجنوبية (انيانيا) في اليوم الثاني من شهر مارس عام 1972م بأديس أبابا اذ تم الاستيعاب والدمج حالاً بالا تسويف وتأخير وبذات الطريقة كان المفترض وضع السلاح وأن يقوم قائد كل حركة من

الحركات الحاملة للسلاح بمكاشفة المقاتلين المنخرطين في حركته وتوضيح كل أموال الحركة وممتلكاتها ولكل منهم نصيب فيها قل أو كثر لأن هذه الأموال والعربات والأسلحة وكل الممتلكات هي ملك للحركة ولكل المنضوين فيها وأخذ يتم تخدير المقاتلين المنضوين في الحركة المسلحة بمعسول الحديث عن الدمج وما ادراك ما الدمج وكان ينبغي التفاوض مع الجهات المختصة ودمج واستيعاب من تنطبق عليهم الشروط اللازمة لاستيعابهم وعدم اتخاذهم مجرد ادوات ضغط للحفاظ على المكاسب السلطوية لمن نالوها مع ايجاد بدائل للذين لم يدمجوا ويستوعبوا ليعودوا إلى اعمالهم السابقة . .. والوثيقة الدستورية التي تم التوقيع عليها بين المكون العسكرية وقوى الحرية والتغيير (قحت) في شهر اغسطس عام 2019م تم الاتفاق أن يكون عمر

الفترة الانتقالية تسعة وثلاثين شهراً تنتهي في شهر نوفمبر عام 2022م وتلقائياً تفقد الوثيقة الدستورية صلاحيتها وتنطوي صفحتها وأقر في اتفاقيات جوبا منح الحركات المسلحة الدارفورية وغيرها قدراً محدداً في السلطة وأقر أن يضمن ذلك في الوثيقة الدستورية مع إضافة عام جديد وتمديد عمر الوثيقة الدستورية والفترة الانتقالية لتنتهي في شهر نوفمبر عام 2023م ومنذ ذلك الوقت فقدت الوثيقة بكل ما اضيف إليها صلاحيتها واملت الحرب فرض واقع جديد وتستند السلطة الحاكمة الآن على شرعية الامر الواقع المعترف بها والمشاركون في السلطة من قادة الحركات المسلحة يستندون مثل الآخرين على شرعية الامر الواقع وقسمة السلطة الممنوحة لهم وفق اتفاقيات جوبا والمضمنة في الوثيقة الدستورية قد فقدت صلاحيتها منذ شهر نوفمبر عام 2023م وهي ليست بقرة مقدسة .

والقوى الأجنبية الاستعمارية تدرك أن السودان بموارده البشرية والمادية وثرواته الهائلة يملك مقومات أن يكون مارداً اقتصادياً ورقماً إقليمياً ودولياً وهي تشعل نيران الفتن وتصب الزيت على نار الحرب لئلا تنطفي ليكون السودان في حالة اضطرابات وعدم استقرار … والقوى الأجنبية الخبيثة تعرف موارد دارفور من ذهب ونحاس ويورانيوم ومعادن أخرى نفيسة وغير ذلك ولذلك فإنها تضرم نار الحرب فيها وتريد أن تلوي الاذرع لتفرض حكومة تأسيس في دارفور مع العمل بعد ذلك على فصل دارفور قهراً وقسراً لتعربد في الاقليم وتهيمن على موارده . وإذا أجرى استفتاء وسط أبناء دارفور فإن قلة ربما تؤيد انفصال دارفور وتكون متحمسة لذلك . وفي تقديري أن الاغلبية الساحقة من سكان دارفور يرفضون الانفصال لأنه يعني بالنسبة لهم أنهم سيصبحون

اجانباً في عاصمة البلاد وفي كل ارجاء البلاد التي لهم فيها وجود قديم ومساكن وممتلكات وحرية تنقل وتملك .. وإذا أصبحت دارفور الكبرى بكل ولاياتها كما يتمنى الخواجات وأذنابهم دولة مستقلة قائمة بذاتها ستحدث داخلها صراعات شرسة إثنية وقبلية (زرقة وعرب) (القوي يأكل الضعيف ) بالإضافة للصراع حول الموارد وتوزيع الثروة والسلطة ووضع الميزانية السنوية للدولة الوليدة الجديدة مع منافسة حادة حول من يحكم ويكون في القيادة والرئاسة مع خلافات حول كيفية تكوين الجيش الوطني الموحد للدولة الجديدة وايلولة القيادة فيه …..الخ مع حدوث صراعات حادة حول تكوين هذا الجيش بين الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح كبيرها وصغيرها وشظاياها المنفصلة عنها

مع حدوث مواجهات شرسة حول اعتلاء السلطة وتكوين الجيش بين كل هذه الحركات الحاملة للسلاح من جهة وبينها وبين قوت الدعم السريع من جهة أخرى وتسود الفوضى (وتصبح دارفور دولة اللا دولة ) والمطلوب من جميع السودانيين العمل على افشال هذا المخطط الأجنبي الاستعماري الخبيث . وهذا الوضع يقتضي أن تكون القوات المشتركة متواجدة في دارفور لا في العاصمة والمناطق الآمنــــــــــــة .

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى