
في لحظات التحول الحاسمة التي تمر بها الأمم، تتقدم القضايا الكبرى على ما سواها، وتصبح وحدة الدولة وبقاؤها أولوية لا تعلوها أولوية. والسودان اليوم، وهو يواجه واحدة من أعقد مراحله، أحوج ما يكون إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء المعنى الحقيقي للدولة، ويؤسس لمرحلة تتجاوز الانقسامات نحو الاستقرار.
في هذا السياق، تبرز رؤية الفريق أول عبدالفتاح البرهان، القائمة على مبدأ واضح: وطن واحد، شعب واحد، وجيش واحد. وهي رؤية تستند إلى ضرورة إنهاء حالة التعدد في مراكز القوة، وترسيخ سلطة الدولة كإطار جامع يحمي الجميع دون استثناء.
لقد أثبتت التجربة السودانية، عبر عقود، أن الانقسامات الجهوية والقبلية والصراعات الحزبية الضيقة لم تكن يوماً طريقاً لبناء دولة، بل كانت مدخلاً لإضعافها واستنزاف مواردها وتعطيل طاقات أبنائها. ومن هنا، فإن الدعوة إلى تجاوز هذه الانقسامات ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية تمليها طبيعة المرحلة.
إن مفهوم “شعب واحد” لا يعني إلغاء التنوع، بل توجيهه في إطار وطني جامع، يكون فيه الاختلاف مصدر ثراء لا سبباً للنزاع. فالسودان، بتعدده الثقافي والاجتماعي، يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون نموذجاً للوحدة في التنوع، إذا ما توفرت الإرادة الصادقة لإدارة هذا التنوع بعدالة وإنصاف.
أما “جيش واحد”، فهو الضمانة الأساسية لاستقرار الدولة وحماية سيادتها. فوجود مؤسسة عسكرية موحدة، مهنية، تعكس تنوع المجتمع السوداني، هو حجر الزاوية في منع الفوضى وإنهاء مظاهر الانفلات. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل تعدد السلاح وتباين الولاءات.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى استمرار العمليات العسكرية باعتباره محاولة لإعادة ضبط ميزان الدولة، وفرض واقع يمهد لمرحلة جديدة تُبنى فيها المؤسسات على أسس راسخة. فالحسم هنا لا يُفهم كغاية، بل كوسيلة لإيقاف حالة التدهور وفتح الطريق أمام استقرار دائم.
غير أن هذا المسار، حتى يكتمل، يحتاج إلى ما هو أبعد من المعالجة العسكرية. إذ لا بد أن يترافق مع ترسيخ قيم العدالة، وتعزيز سيادة القانون، وتهيئة مناخ لمصالحة وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة وتعيد الثقة بين مكونات المجتمع. فالوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تُبنى على الإنصاف والشعور المشترك بالانتماء.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مستقبله، مستفيداً من دروس الماضي وتحديات الحاضر. ولن يكون ذلك ممكناً إلا بتغليب صوت الوطن على ما عداه، والالتفاف حول مشروع وطني يضع حداً لكل أشكال التفرقة.
وطن واحد.. شعب واحد.. جيش واحد — ليست مجرد كلمات تُرفع، بل رؤية لبناء دولة قوية، متماسكة، وعادلة، تسع جميع أبنائها وتؤسس لغدٍ أكثر استقراراً.





