مقالات

هناك فرق – قبل الموت وبعده..!

منى أبو زيد

 

“الموت لا يغير الراحلين، بل يبدل الزاوية التي ينظر منها الأحياء إليهم”.. الكاتبة..!

بعد الموت يدفن الإنسان، وتدفن معه نصف الأحكام التي أصدرناها عليه وهو حي. كأن القبر لا يستر الجسد فقط، وإنما يستر كثيراً من العيوب أيضاً، فتتغير نظرتنا إليه دون أن يتغير هو، ويتبدل ميزاننا دون أن يتبدل فعله..!

لطالما سألت نفسي، لماذا يحدث ذلك، وما الذي يتغير، ولماذا يبدو الإنسان بعد موته أجمل مما كان عليه في حياته، وأكثر حكمة، وأقل أخطاءً وأوسع أثراً؟. أظن أن السر ليس في شخص الراحل، بل فينا نحن..!

فنحن – ما دام الإنسان حياً – نتعامل معه باعتباره مشروعاً مفتوحاً للنقد والاختلاف والمنافسة والمراجعة. نغضب منه اليوم، ونختلف معه غداً، وننتظر منه اعتذاراً أو تفسيراً. أما حين يموت، فإن كل الأبواب تغلق دفعة واحدة. فلا يعود قادراً على الدفاع عن نفسه، ولا على تصحيح أخطائه، ولا على ارتكاب أخطاء جديدة. وفجأة يتحول من شخص نختلف معه إلى قصة نحكيها، ومن حضور يزاحمنا إلى ذكرى نستأنس بها..!

ولعل رهبة الموت نفسها تفعل فعلها فينا. فحين نعلم أن إنساناً قد عبر إلى العالم الآخر، يتراجع صخب الدنيا أمام قدسية الرحيل. يصبح الحديث عنه أقرب إلى الهمس منه إلى الصخب، وإلى الدعاء أكثر منه إلى المحاكمة. ليس لأن الحقيقة قد تغيرت، وإنما لأن الموت يذكرنا بمصيرنا نحن، فنلين له قبل أن نلين للراحل..!

ولهذا نتمسك بإيجابياته أكثر، ونتغافل – عن عمد أحياناً – عن سلبياته. ليس كذباً، وإنما رحمة. وليس تزويراً للتاريخ، وإنما اعترافاً بأن الإنسان أكبر من مجموع أخطائه..!

وقد خطر لي هذا المعنى وأنا أتابع ما حدث بعد وفاة الطبيب المصري الدكتور ضياء العوضي، صاحب نظام “الطيبات”. ففي حياته كان نظامه محل نقاش دائم، بين مؤيد يراه فتحاً في عالم الطب والتغذية، ومشكك يطالبه بالمزيد من الأدلة، وناقد يرفض بعض أطروحاته..!

لكن بعد رحيله، بدا المشهد مختلفاً تماماً، اخفتت أصوات الشك، وارتفعت أصوات الامتنان، وتحول الرجل في نظر الكثيرين إلى مرجع وملهم، حتى كأن الموت قد منح أفكاره شهادة ثقة لم تمنحها له الحياة. وهذا ليس لأن أفكاره قد تغيرت بعد وفاته، بل لأن الموت قد غيّر النفوس التي تنظر إليها..!

الموت لا يمنح الراحل فضائل جديدة، لكنه ينتزع من الأحياء كثيراً من قسوتهم. يذكرهم بأن الإنسان ليس معصوماً، وأنهم هم أيضاً سيصبحون يوماً ما ذكرى في ذاكرة الآخرين، وسيأملون أن يتذكر الناس أجمل ما فيهم، وليس أسوأ ما فعلوه..!

لذلك أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس لماذا نمجد الموتى؟. بل لماذا نبخل بهذا القدر من الرحمة على الأحياء؟. كم من كلمة طيبة نقولها بعد الرحيل، ولو قيلت قبله لأضاءت قلب صاحبها. وكم من اعتراف بالفضل لا يأتي إلا بعد أن يصبح صاحبه عاجزاً عن سماعه. وكم من إنصاف لا يبدأ إلا حين تنتهي الحياة..!
.
ربما لا يغير الموت الراحلين بقدر ما يوقظ فينا إنساناً كنا نؤجل ظهوره. ولعل الحكمة التي يهمس بها الموت في آذان الأحياء ليست أن نتوقف عن رؤية الأخطاء، بل أن نتعلم رؤية الإنسان كاملاً بفضائله ونقائصه، قبل أن يتحول إلى صورة معلقة على الجدار، أو اسم يسبقه دعاء، أو ذكرى لا تملك إلا اجترارها..!

فأعدل الناس ليس من أحسن الحديث عن الموتى، وإنما من أنصف الأحياء قبل أن يلحقوا بهم!.

المصدر | صحيفة العودة

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى