نعمة الله بين الشكر والكفران حين يتحول المال من وسيلة تكريم إلى مشهد امتهان
د. الشاذلي عبداللطيف

قال الله تعالى:
﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾
سورة إبراهيم، الآية 7
وقال سبحانه:
﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ﴾
سورة إبراهيم، الآية 28
المال في ميزان الإسلام ليس أوراقا تعد، بل أمانة تسأل عنها الرقاب يوم الحساب. جعله الله قواما للحياة، ووسيلة لقضاء الحاجات، وأداة للعمران والإحسان. فإذا استعمل في الخير كان نعمة، وإذا استعمل في التباهي والإذلال تحول إلى صورة من صور كفران النعمة.
ومن الظواهر التي انتشرت في بعض المجتمعات، ومنها السودان، ما يرى في بعض المناسبات من نثر الأموال على الفنانين أو المغنين، ثم تطأها الأقدام وتداس على الأرض في مشهد يختلط فيه الإسراف بالاستخفاف. وقد يظن البعض أن ذلك نوع من الكرم أو التعبير عن الفرح، لكنه في الحقيقة يحمل رسالة سلبية تمس حرمة المال ومعنى النعمة.
فالمال الذي يبذل الإنسان سنوات من عمره لتحصيله، لا يليق أن يتحول إلى أوراق ترمى على الأرض ثم تداس بالأقدام. إن تكريم الفنان أو دعم المبدع أمر مشروع إذا تم بصورة تحفظ الكرامة، كأن تقدم له الهدية باحترام أو يكرم بما يليق بمكانته. أما تحويل المال إلى مشهد استعراضي يختلط فيه التفاخر بالاستهانة، فهو سلوك يربي الأجيال على احتقار قيمة النعمة.
لقد علمنا القرآن أن النعمة لا تحفظ إلا بالشكر، وأن الشكر ليس قول الحمد لله فحسب، بل حسن التصرف فيما رزق الله. فمن شكر المال أن ينفق في موضعه، وأن يصان عن العبث، وأن يستخدم في إدخال السرور دون إسراف أو إذلال.
تأمل حال قارون الذي ظن أن المال دليل استحقاق ذاتي، فقال: ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾، فخسف الله به وبداره الأرض. لم يكن الذنب في امتلاك المال، بل في الغرور به ونسيان حق الله فيه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
“لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله: من أين اكتسبه وفيم أنفقه.”
فالمال يسأل عنه الإنسان مرتين: عند تحصيله، وعند إنفاقه. ومن هنا كان احترام المال جزءا من احترام النعمة.
إن المجتمعات الراقية تقاس بطريقة تعاملها مع النعم. فإذا تحولت النعمة إلى وسيلة استعراض، ضاع معناها. وإذا أصبحت الأموال تنثر على الأرض بينما هناك محتاجون ومساكين وطلاب علم ومرضى ينتظرون العون، فإن ذلك يدعو إلى مراجعة صادقة لأولوياتنا.
ليس المقصود تحريم الفرح، فالفرح مشروع، ولكن الإسلام يريد فرحا راشدا لا يهين النعمة ولا يجرح الذوق العام. يريد فرحا يظهر الشكر لا التبذير، ويعكس الامتنان لا الغرور.
فاللهم ارزقنا شكر نعمك، وحسن التصرف فيما رزقتنا، واجعل أموالنا عونا على الطاعة والخير، ولا تجعلها سببا للكبر أو الإسراف أو الغفلة عن حقك وحق عبادك. إنك ولي ذلك والقادر عليه.





