
سألني أحد الأصدقاء ذات مرة، وقد بدت على وجهه علامات دهشة صادقة: كيف يستطيع شاب يعيش في بيئة متقدمة، ولم يتجاوز عقده الثاني من العمر، أن يطلق شركة تقنية تبلغ قيمتها الاقتصادية خلال سنوات قليلة أرقامًا تفوق ميزانيات دول، ثم تزاحم مؤسسات كبرى مضى على تأسيسها زمن طويل؟ أهو حظ استثنائي؟ أم عبقرية فطرية نادرة لا تتكرر؟
والحقيقة أن الأمر، في أغلبه، لا يرجع إلى الحظ، ولا إلى امتياز وراثي غامض، وإنما إلى بيئة كاملة تصنع الإنسان قبل أن تستثمر المال، وتبني العقل قبل أن تطلب منه الإنتاج. فحين يكون التعليم وسيلة للتحرير لا للتلقين، وأداة لصناعة التفكير لا لحشو الذاكرة، يصبح الشاب قادرًا على أن يرى في الفكرة مشروعًا، وفي المشروع مؤسسة، وفي المؤسسة أثرًا يتجاوز حدود بلده وزمانه.
الفارق الحقيقي بيننا وبين كثير من تلك التجارب الناجحة لا يتمثل فقط في حجم المعرفة المتاحة، فنحن لسنا أقل قابلية للفهم ولا أدنى موهبة بطبيعتنا، وإنما يتمثل في الطريقة التي شُكّلت بها العقول. هناك أنظمة تعليمية لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تصنع القدرة على استخدامها. لا تدرّس الإجابة وحدها، بل تدرّب على السؤال. لا تقدم الطريق جاهزًا، بل تعلّم كيف يُرسم الطريق. وفي تلك البيئات يتعلم الشاب كيف يتعلم باستمرار، وكيف يتعامل مع التقنية بوصفها أداة لصناعة القيمة لا مجرد وسيلة للاستهلاك، وكيف ينظر إلى المستقبل باعتباره مجالًا مفتوحًا للفعل، لا قدرًا غامضًا ينتظر ما يأتي به.
وفي تلك البيئات أيضًا يُدفع الشباب منذ وقت مبكر إلى تحمّل مسؤولية ذواتهم. لا يُنظر إليهم كأرقام في سجلات إدارية، ولا كطالبي وظائف ينتظرون دورهم في طابور طويل، بل كطاقات مستقلة قابلة للمبادرة وصناعة القرار. تتكوّن لديهم قناعة راسخة بأن القيمة لا تُستمد من الشهادة وحدها، ولا من المسمى الوظيفي، ولا من القرب من السلطة أو المؤسسة، بل من القدرة على حل المشكلات، وابتكار الحلول، وخلق قيمة حقيقية يحتاج إليها الناس.
لذلك لا تبدو فكرة تحويل مشروع صغير في غرفة أو منزل أو جامعة إلى كيان عالمي ضربًا من الخيال، بل نتيجة طبيعية لعقل لم يُربَّ على الانتظار، وإنما على الفعل. عقل تعلّم أن الفكرة الجادة، إذا وجدت المعرفة، والتجربة، والانضباط، والسوق المفتوح، والتمويل الذكي، والحماية القانونية، يمكن أن تتحول إلى مشروع كبير، وربما إلى مؤسسة تغير وجه صناعة كاملة.
أما الطموح في تلك البيئات فليس شعورًا عابرًا، ولا حماسة مؤقتة، بل نظام عملي متكامل يقوم على التجربة والمخاطرة المدروسة. الفشل لا يُدان كما لو كان عارًا، بل يُفهم ويُحلل ويُستثمر. والتعثر لا يُعد نهاية الطريق، بل جزءًا من بنائه. وعلى النقيض من ذلك، ما زالت مجتمعات كثيرة عندنا تُحمّل الخطأ أكثر مما يحتمل، وتربط النجاح بالأمان الوظيفي أكثر مما تربطه بالأثر والمبادرة والإبداع. وبينما يُربّى شباب هناك على التفكير عالميًا منذ البدايات، يُدفع كثير من شبابنا إلى الاكتفاء بالممكن القليل، بدل أن يُدرّبوا على سؤال أعمق: ماذا يمكن أن يكون؟
ومن هنا تتضح المشكلة في صورتها الحقيقية. إنها ليست أزمة موارد وحدها، ولا نقص ذكاء، ولا قلة مواهب، بل أزمة نموذج تعليمي وتربوي واجتماعي ما زال، في كثير من وجوهه، يُنتج عقولًا مهيأة للامتحان أكثر من تهيئتها للحياة، ومستعدة للحفظ أكثر من استعدادها للاكتشاف، ومعلقة بالوظيفة أكثر من تعلقها بصناعة القيمة. ولن يكون للحاق بالعصر معنى حقيقي ما لم نُحدِث قطيعة واعية مع تعليم التلقين، ونتجه إلى تعليم يحرر العقل، ويوقظ المبادرة، ويعيد تعريف النجاح بوصفه صناعة واقع، لا انتظار فرصة.
إن عالم اليوم لا يقيس قوة الأمم بما تملكه من ثروات طبيعية فقط، بل بما تملكه من عقول قادرة على تحويل تلك الثروات إلى معرفة، والمعرفة إلى إنتاج، والإنتاج إلى قوة ناعمة وصلبة معًا. والعشرينيات من العمر لم تعد مرحلة ترقّب واصطفاف في طابور الانتظار، بل يمكن أن تكون زمن المبادرة الجريئة، متى وجد الشاب تعليمًا يفتح له عقله، وبيئة تحترم سؤاله، وقانونًا يحمي مشروعه، وسوقًا يكافئ اجتهاده، ومجتمعًا لا يخنق طموحه بالخوف والسخرية.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: لماذا ينجح شبابهم مبكرًا؟ بل: ماذا فعلت بيئاتهم لتجعل النجاح المبكر ممكنًا؟ وماذا فعلت بيئاتنا حتى صار كثير من شبابنا يؤجلون أحلامهم، أو يهاجرون بها، أو يدفنونها قبل أن تولد؟
حين نجيب عن هذا السؤال بصدق، سندرك أن بناء الشباب لا يبدأ عند باب الجامعة ، ولا عند مكتب التوظيف، ولا عند منصة الوعظ، بل يبدأ من فلسفة الدولة والمجتمع في النظر إلى الإنسان نفسه: أهو وعاء يُملأ بالمعلومات، أم عقل يُحرَّر؟ أهو رقم ينتظر فرصة، أم طاقة تصنع فرصتها؟ ومن هنا وحده يبدأ الفرق بين أمة تستهلك المستقبل، وأمة تصنعه.




