
في لحظات الانكسار الكبرى التي تمر بها الأوطان، يصبح السلام مطلبًا لا خلاف عليه، لكنه في الوقت ذاته يتحول إلى اختبار أخلاقي عميق: أيّ سلام نريد؟ وعلى أيّ أسس يُبنى؟ وهل يمكن أن يُصاغ مستقبلٌ مستقر فوق ذاكرةٍ مثقلة بالجراح دون إنصافٍ حقيقي؟
في السودان اليوم، لا يختلف اثنان على أن الحرب أنهكت الدولة والمجتمع، وأرهقت المواطن البسيط الذي يدفع ثمن صراعٍ معقد تتداخل فيه السياسة بالسلاح، والمصالح بالقوة. غير أن الدعوات المتزايدة للجلوس إلى طاولة التفاوض مع أطرافٍ متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، تفتح بابًا واسعًا للتساؤل المشروع: هل يمكن تحقيق السلام دون مساءلة؟ وهل التسامح السياسي يعني القفز فوق العدالة؟
إن أي عملية سلام تُبنى على الانتقائية تُهدد بفقدان مشروعيتها منذ البداية. فإذا كان الحوار مع الخصوم المسلحين ضرورة تفرضها موازين الواقع، فإن العدالة تفرض بدورها شمولية في النظر إلى جميع الفاعلين في المشهد السوداني. فالإقصاء، أياً كان مبرره، لا ينتج سلامًا دائمًا، بل يؤسس لدورات جديدة من الصراع.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن تكريم من يحمل السلاح بمنحه السلطة، دون معالجة جذور الأزمة أو محاسبة الانتهاكات، يبعث برسالة خطيرة: أن القوة هي الطريق الأقصر إلى النفوذ. وهذه رسالة لا تهدد الحاضر فحسب، بل تفتح شهية النزاعات المستقبلية، حيث قد تلجأ مجموعات أخرى إلى السلاح لتحقيق مكاسب مماثلة.
في المقابل، فإن استبعاد قوى سياسية أو اجتماعية بحجة أخطاء الماضي، دون منحها فرصة للمراجعة والمشاركة في إعادة البناء، يُعمّق الانقسام ويُفقد العملية السياسية توازنها. فالدولة لا تُبنى بروح الانتقام، ولا تُدار بمنطق التصنيف الثنائي بين “مقبول” و”مرفوض”، بل تحتاج إلى مشروع وطني جامع يعترف بالأخطاء ويؤسس للمحاسبة والإصلاح.
السلام الحقيقي في السودان لن يتحقق فقط عبر الاتفاقيات السياسية، بل عبر إعادة تعريف مفهوم “الوطنية” نفسها: هل هي ولاء للأشخاص، أم التزام بالقيم؟ هل هي سلطة تُنتزع، أم مسؤولية تُحمل؟
إن المواطن السوداني اليوم لا يطلب المستحيل. هو يريد أمنًا لا يُهدد، وكرامة لا تُنتهك، وعدالة لا تُساوم. يريد أن يرى أن الدولة تحميه لا تساوم عليه، وأن القانون يُطبق على الجميع دون استثناء.
وعليه، فإن أي مسار تفاوضي يجب أن يستند إلى ثلاثة أعمدة لا غنى عنها:
أولاً، العدالة والمساءلة، حتى لا تُدفن الجرائم تحت عنوان المصالحة.
ثانيًا، الشمولية السياسية، لضمان مشاركة جميع القوى الوطنية في صياغة المستقبل.
ثالثًا، حماية المدنيين، بوصفها الأولوية التي لا تقبل التأجيل أو المساومة.
أما إدماج القوات المسلحة أو الجماعات المقاتلة داخل المدن دون ترتيبات أمنية واضحة، فإنه يثير مخاوف مشروعة لدى المواطنين، ويهدد بإعادة إنتاج الفوضى بدل احتوائها. ومن هنا، فإن أي خطوات من هذا النوع يجب أن تتم في إطار ترتيبات انتقالية مدروسة، تضمن الأمن ولا تزعزع الثقة الهشة بين الدولة والمجتمع.
السودان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما أن يختار سلامًا عادلاً يداوي الجراح ويؤسس لدولة القانون، أو ينزلق إلى تسويات هشة تُرحّل الأزمة إلى المستقبل.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل نريد سلامًا بأي ثمن، أم سلامًا يصنع وطنًا يستحق أن يُعاش فيه؟
الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مآل الحرب، بل ستكتب ملامح السودان القادم.





