مقالات

بين الحظر وحق الاختيار… المستهلك السوداني في مفترق طرق

مهد الحروف|  د. هيثم حسن عبد السلام 

في أعقاب الحرب  التي أنهكتنا ، لم يعد السوق السوداني كما كان؛ إنتاج وإمداد مضطرب ، قدرة شرائية منهكة تكابد بين الضروريات وبعض الاحتياجات ، وثقة المستهلك في اختبار يومي في قدرته على الصمود . وفي هذا السياق جاء قرار حظر استيراد عدد من السلع – بعضها كمالي وبعضها ذو صلة مباشرة بالاستهلاك اليومي – كأداة لمحاصرة تدهور سعر الصرف وتخفيف الضغط على النقد الأجنبي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يعني هذا القرار للمستهلك السوداني أولاً، قبل أي اعتبار آخر؟

من زاوية المستهلك، الحظر سلاح ذو حدين. قد يُفهم بوصفه حماية للاقتصاد الوطني ودعماً للإنتاج المحلي، لكنه في الوقت ذاته يلامس مباشرة حقين أصيلين: حق الاختيار والحصول على سلعة آمنة وبجودة وسعر عادل. حين تُحجب سلع كانت متاحة – بغض النظر عن تقييمنا لها – دون أن تُملأ الفجوة ببدائل محلية كافية ومطابقة للمواصفات، فإن النتيجة الطبيعية هي تضييق الخيارات، وفتح الباب لارتفاع الأسعار، وربما لعودة السوق الموازي والسلع غير المطابقة.

القرار، في جوهره، اقتصادي، لكنه في أثره اجتماعي بامتياز. فالأسر التي أعادت ترتيب أولوياتها بعد الحرب، تعتمد على توازن دقيق بين السعر والجودة والوفره . أي اختلال في هذا التوازن ينعكس فوراً على سلة الاستهلاك، وقد يدفع المستهلك – قسراً – نحو بدائل أقل جودة أو أكثر كلفة.

وهنا تبرز إشكالية مركزية هل يكفي قرار الدولة وحده؟
الإجابة الأقرب للواقع: لا. القرارات التنظيمية، مهما كانت نواياها سليمة، تحتاج إلى سند علمي ومجتمعي. دراسات سلوك المستهلك واجب وحق مشروع ، وهو أداة لفهم أنماط الاستهلاك، ومرونة الطلب، وقابلية التحول إلى بدائل محلية. قياس مدى القبول أو الرفض، وتحديد السلع التي يمكن إحلالها سريعاً، وتلك التي تحتاج لفترة انتقالية، هو ما يصنع الفارق بين سياسة ناجحة وأخرى تُنتج آثاراً عكسية.

إذا كان الهدف العاجل هو وقف نزيف سعر الصرف، فذلك مشروع وبالتاكيد كلنا نقف معه ، لكن تحقيقه يتطلب مؤشرات قياس واضحة تتابع التنفيذ وتصحح المسار، من بينها:
استقرار أو تحسن سعر الصرف خلال فترة زمنية محددة.
معدل توفر السلع المحظورة سابقاً عبر بدائل محلية (نِسب التغطية).
تطور الأسعار للمجموعة السلعية المعنية (مؤشر تضخم فرعي).
مستوى الشكاوى من نقص السلع أو تدني الجودة.
حجم الضبطيات للتهريب والسلع غير المطابقة (كمؤشر لآثار جانبية).
بدون هذه المؤشرات، يتحول القرار إلى خطوة غير قابلة للتقييم، ويصعب الدفاع عنه أو تعديله بموضوعية.
أما السؤال الحاسم: هل السوق والمصنع المحلي قادر على الإيفاء بالاحتياجات؟

الإجابة تتوقف على ثلاث ركائز: الطاقة الإنتاجية، جودة المنتج، وكفاءة التوزيع. إن كان الإنتاج المحلي قادراً – فعلاً – على سد الفجوة كمّاً ونوعاً، فالحظر قد يصبح فرصة تاريخية لتعزيز الصناعة الوطنية. أما إذا كانت الطاقة محدودة، أو الجودة غير مستقرة، أو آليات التوزيع متعثرة، فسنكون أمام ندرة مصطنعة تُقوّض حق الاختيار، وتدفع الأسعار إلى الارتفاع، وتُغري بالتهريب.
هنا يبرز دور أجهزة الدولة الرقابية، وعلى رأسها وزارة التجارة وهيئة المواصفات ومباحث التجارة والتموين وحماية المستهلك وقوات الجمارك ومكافحة التهريب ، في ضمان المطابقة، ومكافحة الغش، وتسريع إجراءات الفحص والإفراج، بالتوازي مع تحفيز المنتجين عبر مدخلات إنتاج ميسّرة، وتمويل، وإعفاءات مدروسة، حتى لا يتحول الحظر إلى عبء على المستهلك بدل أن يكون حماية له.

ما المطلوب إذن؟
مرحلية القرار من خلال تطبيق تدريجي بقوائم ديناميكية تُراجع دورياً وفق مؤشرات الأداء.
بدائل جاهزة لجهة عدم حظر أي سلعة قبل التأكد من توفر بديل محلي كافٍ ومطابق.
شفافية بنشر أسباب الحظر ومؤشرات القياس ونتائج المتابعة للرأي العام.
إشراك المستهلك بإجراء استطلاعات دورية، وقنوات فعّالة لتلقي الشكاوى والمقترحات. وليت وزارة التجارة تفعل الجهاز القومي لحماية المستهلك.
حزم مرافقة تعمل على دعم الإنتاج المحلي، وضبط الأسواق، وتشديد الرقابة على الجودة.

في النهاية، حماية الاقتصاد لا تنفصل عن حماية المستهلك. فالمستهلك ليس الحلقة الأضعف فحسب، إنما هو مؤشر النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية. وإذا كان لا بد من قرارات حازمة في زمن استثنائي، فلتكن مبنية على معرفة، ومصحوبة بقياس، ومُنحازة لحق الاختيار… حتى لا ندفع ثمن الإصلاح من رفاهنا اليومي وجودة حياتنا غداً.
وتظل ثقتنا كبيره في قيادتنا لتحول اقتصادي يسهم في رفاه المستهلك ويحفظ حقوقه.

 

 

خبير شؤون المستهلك
mismawia@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى