النز في عطبرة… إنذارٌ من تحت الأرض لمدن السودان (1 من 2): حين يتحول الصرف إلى خطرٍ صحي وعمراني
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

اطلعتُ على تقريرٍ منشور يشير إلى تجدد التحذيرات من خطورة ظاهرة النز بمدينة عطبرة، بعد أن فوجئ عمال الكهرباء، أثناء حفر مواقع لأعمدة جديدة بحي الحصايا غرب نادي الكواكب، بظهور المياه على عمق يقارب مترًا واحدًا فقط من سطح الأرض. وليس هذا الخبر تفصيلًا عابرًا، ولا حادثة موضعية محدودة، بل هو مؤشر خطير على أن هناك ماءً محبوسًا تحت العمران، يقترب من البيوت والطرق والناس، ويستدعي نظرًا جادًا لا باعتباره مشكلة رطوبة أو إزعاج، بل باعتباره قضية بيئية وصحية وعمرانية قد تتحول، إن أُهملت، إلى خطر على استقرار التربة، وسلامة المباني، وصحة السكان، ومستقبل المدينة.
وقد أشار المواطنون، بحسب ما ورد في التقرير، إلى أن حي الحصايا يُعد من أكثر المناطق تأثرًا بهذه الظاهرة منذ أكثر من خمس سنوات، وأن الجسر الممتد من الحصايا مرورًا بالمقابر القديمة وحي المربعات وحتى المصب المؤدي إلى نهر عطبرة ظل ممتلئًا بالمياه طوال العام، مع استمرار تدفقها بصورة متواصلة. وهذه المعلومة وحدها تكفي لإخراج المسألة من دائرة الظواهر العابرة إلى دائرة المشكلة المزمنة، التي لها مصادر تغذية مستمرة، أو منافذ تصريف معطلة، أو طبيعة أرضية تساعد على حبس الماء تحت السطح، أو كل ذلك مجتمعًا.
وخطورة الأمر لا تقف عند ظهور الماء في حفرة عارضة، بل في أن بعض الأهالي يشيرون إلى أن النز كان قبل سنوات أعمق من ذلك بكثير، وأنه صار الآن قريبًا حتى ظهر على عمق متر واحد فقط. وحين يقترب الماء إلى هذا الحد من سطح الأرض، فإن الخطر لا يكون بعيدًا عن أساسات البيوت، ولا عن الطرق، ولا عن البيئة اليومية للناس. فالخطر لا يأتي دائمًا دفعة واحدة، بل يطرق الأبواب ببطء، ويصعد من تحت الأرض صامتًا، حتى إذا انفجرت المشكلة في صورة طفح، أو تلوث، أو تشققات، أو انهيار، بدأ السؤال المتأخر: لماذا لم نتحرك من قبل؟
والأدق، بحسب ما توفر من معلومات إضافية وآراء بعض المختصين، أن هذه الظاهرة في حي الحصايا وما يشابهه من مناطق لا ينبغي أن تُفهم ابتداءً على أنها مياه جوفية طبيعية صاعدة من خزان أرضي عميق، لأن المنطقة، كما يذكر بعض العارفين بها، منطقة ذات قاعدة صخرية أو ما يعرف فنيًا بالـ Basement، وهي شبيهة بمناطق أخرى في السودان ظهرت فيها الظاهرة نفسها، مثل بعض أحياء أم درمان، ومنها الأزهري، والبوستة، وخلف استاد المريخ، وبعض مناطق الواحة شرقًا وغربًا. وفي مثل هذه الحالة تكون المياه الظاهرة غالبًا مياه صرف صحي أو مياه استخدامات منزلية متسربة من المصاصات والسايفونات والبيارات، تتجمع فوق الطبقة الصخرية أو فوق طبقات قليلة النفاذية، فلا تجد طريقًا طبيعيًا كافيًا إلى الأعماق، فتنتشر أفقيًا تحت السطح، وتطفو تدريجيًا حتى تقترب من البيوت والطرق وتظهر عند الحفر.
وهنا تصبح كلمة “المصاصات” مفتاحًا مهمًا لفهم الظاهرة. فالمصاص، في منطقة صخرية أو قليلة النفاذية، لا يمتص الماء إلى المجهول كما يتصور كثيرون، بل قد يحوله إلى خزان ملوث تحت البيوت. وكلما زاد العمران، وزاد عدد الحمامات والمطابخ والغسالات، وزاد استهلاك المياه، زادت كمية الماء المدفوعة يوميًا إلى باطن الأرض. ومع غياب شبكة صرف صحي حديثة، ومع وجود طبقة صخرية أو حاجز أرضي يمنع نزول المياه إلى الأعماق البعيدة، تمتلئ المساحة المحصورة بين سطح الأرض وتلك الطبقة، وتبدأ المياه في الطفو والتحرك الجانبي والظهور عند الحفر وفي المنخفضات وحول المصارف والجسور.
ومما يعزز هذا الفهم ما أورده بعض المختصين من تجارب ميدانية في مناطق مشابهة، حيث تم حفر بئر استكشافي للوصول إلى الطبقة الصخرية، فظهرت المياه على عمق محدود ثم ارتفعت سريعًا، وبعد تحليل عينة منها وُجدت مؤشرات عالية جدًا للملوحة والنتريت، بما يرجح أنها مياه صرف صحي متمركزة، وليست مياهًا جوفية عذبة طبيعية. وهذه النتيجة، وإن كانت تحتاج إلى توثيق رسمي وتكرار عينات في أكثر من موضع داخل عطبرة والمناطق المتأثرة، فإنها تضع يدنا على جوهر المسألة: نحن أمام مياه ملوثة محبوسة تحت العمران، لا أمام ماء طبيعي بريء يمكن التعايش معه أو تجاهله.
وتتعدد أسباب هذه الظاهرة، غير أن أخطرها في ضوء هذه المعطيات هو الاعتماد الواسع على المصاصات والسايفونات والبيارات غير المحكمة في أحياء لا تتوفر فيها شبكة صرف صحي حديثة. فكل منزل يصبح، من حيث لا يشعر أهله، مصدرًا يوميًا لضخ المياه الملوثة إلى باطن الأرض. ومع وجود طبقة صخرية أو قليلة النفاذية تمنع نزول هذه المياه إلى الأعماق، تتراكم المياه فوقها، وتتحرك تحت الأحياء، ثم تبدأ في الظهور عند الحفر أو في المنخفضات أو قرب الجسور والمصبات.
وقد أشار بعض المتضررين إلى أنهم يضطرون إلى شفط البيارات بصورة متكررة، بل أسبوعية في بعض الحالات، وبتكاليف مرهقة للأسر. وهذا وحده يكشف أن المشكلة لم تعد بيئية عامة فقط، بل صارت عبئًا معيشياً يوميًا على السكان. فالأسرة التي تضطر إلى شفط بئرها كل أسبوع ليست أمام حالة عابرة، بل أمام خلل عميق في منظومة الصرف، يستهلك المال والجهد، ويزيد القلق، ويؤكد أن الماء لم يعد يجد طريقًا آمنًا للخروج.
وإذا أضيف إلى ذلك وجود شبكات مياه قديمة أو متآكلة أو مكسورة، فإن أي تسرب مستمر من ماسورة واحدة قد يمد الأرض بالماء ليلًا ونهارًا دون أن يراه الناس. وقد تزيد المشكلة أيضًا إذا وُجد تسرب من ترع قريبة، مثل الترعة الرئيسية للأمن الغذائي شمال عطبرة، إذا ثبت فنيًا أنها تسهم في تغذية المياه تحت السطح. وقد ورد في بعض المناقشات المحلية أن هذه الترعة ربما تكون من العوامل المؤثرة في بعض المناطق، وأن معالجة الأجزاء المتسربة منها أو تحويل بعضها إلى مواسير كبيرة قد يكون ضمن الحلول الممكنة. وهذه ملاحظات مهمة لا ينبغي الجزم بها قبل الفحص الفني، لكنها تستحق أن توضع ضمن فرضيات الدراسة، لأن معالجة النز لا تنجح إذا عالجت الظاهر وتركت مصدرًا مستمرًا يغذي الماء من بعيد.
كما أن الجسر الممتد من الحصايا مرورًا بالمقابر القديمة وحي المربعات وحتى المصب المؤدي إلى نهر عطبرة يستحق مراجعة عاجلة. فإذا كان الجسر أو الطريق أو الردمية يحبس المياه، أو يضعف انسيابها، أو يمنعها من الوصول الطبيعي إلى المصب، فإنه يتحول عمليًا إلى حاجز مائي يزيد تراكم الماء، ثم يدفعه إلى التسرب تحت الأرض وحول البيوت. وبذلك لا تعود المشكلة محصورة في المصاصات وحدها، بل تتعقد بسبب سوء التصريف، وانسداد المصبات، وغياب المصارف الفاعلة، وربما ضعف الصيانة الدورية.
ولا ينبغي التقليل من الخطر الصحي لهذه الظاهرة، لأن المياه الظاهرة أو المحبوسة تحت الأرض، إذا كانت ناتجة من صرف صحي أو مصاصات أو بيارات، فهي مياه ملوثة في الأصل، وقد تحمل روائح، وملوثات عضوية، وأملاحًا، ومؤشرات تلوث خطرة. وهي حين تقترب من سطح الأرض أو تظهر في البرك والمجاري الراكدة، تصبح مصدرًا محتملًا للأمراض، خاصة إذا لامسها الأطفال، أو تجمعت قرب المنازل، أو جذبت البعوض والحشرات، أو اختلطت بأي آبار سطحية أو مياه مكشوفة. والماء الراكد في الأحياء ليس مجرد منظر مزعج، بل بيئة قابلة لانتشار الروائح والتلوث والأمراض الجلدية والمعوية، خاصة في البيئات التي تضعف فيها خدمات الصرف والرقابة الصحية.
وقد لا تكون ظاهرة النز سببًا مباشرًا وحيدًا لحمى الضنك أو الملاريا، لأن هذه الأمراض تنتقل عبر بعوض ناقل للعدوى، غير أن النز إذا ترك مياهًا راكدة حول البيوت، أو رطوبة دائمة، أو حفرًا ومخلفات وأوعية تحتفظ بالماء، فإنه يصبح عاملًا مساعدًا خطيرًا في تكاثر البعوض واستمرار دورة العدوى. ولذلك فإن معالجة النز ليست قضية عمرانية أو بيئية فقط، بل تدخل كذلك في صميم الوقاية الصحية من الأمراض المنقولة بالبعوض، وعلى رأسها حمى الضنك والملاريا، خاصة إذا تزامنت مع ضعف النظافة، وتراكم المخلفات، وغياب الرش والمكافحة، ووجود مياه راكدة قرب المساكن.
ومن ثم ينبغي أن يصاحب أي تدخل إسعافي لمعالجة النز برنامج فوري لمكافحة نواقل الأمراض، يقوم على ردم البرك الصغيرة أو تصريفها، وإزالة الإطارات والأواني والمخلفات التي تجمع الماء، وتغطية خزانات المياه المنزلية، وغسل الأوعية وتفريغها دوريًا، واستخدام مبيدات يرقية في المواضع التي لا يمكن تصريفها وفق إشراف صحي، وتنفيذ حملات تفتيش منزلية ورش ومكافحة منتظمة؛ لأن قتل البعوض الطائر وحده لا يكفي إذا بقيت بؤر التوالد قائمة.
أما الخطر العمراني فلا يقل أهمية. فالمياه القريبة من السطح تضعف قدرة التربة على حمل المباني، وتزيد احتمالات الهبوط، وتؤدي إلى تشققات، ورطوبة صاعدة، وتمليح في الجدران، وتلف في الأساسات، وربما انهيارات في الحالات الشديدة أو في البيوت الضعيفة والقديمة. لذلك فإن تحذير الأهالي من احتمال وقوع كارثة بيئية وصحية وانهيارات أرضية ليس مبالغة إذا استمرت الأوضاع كما هي دون تشخيص ومعالجة. فالمدن لا تنهار فقط حين تضربها الكوارث المفاجئة، بل حين تعتاد رؤية الخطر كل يوم حتى يصبح جزءًا من المشهد.
ولا يجوز التعامل مع هذه الظاهرة بمنطق التأجيل أو الانتظار؛ لأن آثارها قد تتفاقم سريعًا إذا لم تُستدرك فورًا. فصحيًا، يمكن أن تتحول المياه الملوثة المحبوسة تحت البيوت إلى مصدر مستمر للروائح والحشرات والبعوض والأمراض الجلدية والمعوية، وإلى تلويث دائم للبيئة السكنية اليومية. وبيئيًا، يمكن أن تمتد البرك والمجاري الراكدة، وتفسد التربة، وتلوث المواضع المنخفضة، وتنقل الضرر من بيت إلى شارع ومن حي إلى آخر. وعمرانيًا، فإن استمرار تشبع التربة بالمياه قد يضعف الأساسات، ويزيد الرطوبة الصاعدة، ويفاقم التشققات، ويؤدي إلى هبوط موضعي أو انهيارات في المباني الضعيفة والقديمة. ولذلك فالمطلوب ليس أن توضع القضية في قائمة المعالجات العاجلة فقط، بل أن تُعامل كخطر فوري متصاعد، يحتاج إلى تدخل إسعافي الآن، بالتوازي مع إعداد الحل الجذري الكامل.
ومع أن الحديث هنا يبدأ من عطبرة، ومن حي الحصايا تحديدًا، فإن جوهر القضية لا يخص عطبرة وحدها. فمدن السودان وقراه، على اختلاف طبيعة أرضها، تواجه السؤال نفسه بدرجات وصور متعددة: ماذا يحدث حين يغيب الصرف الصحي الآمن، وتُترك المياه الملوثة لتتسلل تحت البيوت أو تركد حولها؟ قد تكون بعض المناطق قائمة على قاعدة صخرية تحبس مياه المصاصات فوقها، وقد تكون مناطق أخرى ذات مياه جوفية قريبة من السطح، وقد تكون ثالثة متأثرة بالفيضانات أو الترع أو سوء التصريف؛ لكن النتيجة الجامعة واحدة: ضرر على الإنسان، وإفساد للبيئة، وتهديد للعمران، وفتح لبؤر المرض والتلوث. ولذلك فإن عطبرة هنا ليست حالة معزولة، بل نافذة نرى من خلالها مشكلة وطنية أوسع تحتاج إلى تشخيص محلي وحل علمي يناسب طبيعة كل منطقة.
إن عطبرة، بما لها من تاريخ في النظام والنظافة والانضباط، لا تستحق أن تُترك حتى تحاصرها المياه الراكدة والروائح والتشققات، ولا أن تنتظر لحظة الانفجار حتى يبدأ التحرك. والدرس هنا لا يخص حي الحصايا وحده، بل يفتح بابًا أوسع للنظر في أزمة الصرف الصحي في مدن وقرى السودان، حيث تتكرر المشكلة بأسماء ودرجات مختلفة، لكنها تكشف في جوهرها عن خلل واحد: غياب المعالجة العلمية المنظمة قبل أن يتحول الخطر الصامت إلى كارثة ظاهرة. وفي الحلقة التالية يكون الحديث عن المعالجات الممكنة، من التشخيص العلمي والسحب بالمواسير والمضخات، إلى وحدات الصرف المغلقة المشتركة، والنفرة الشعبية المنظمة، والحل الوطني الأوسع.





