السودان… من النفير المحدود إلى التغيير المنشود من معالجة الأعراض إلى إصلاح السياسات
بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

من حقّ كل غيورٍ على بلده، وكل حادبٍ على أهله، أن يتحرك حين يرى المعاناة قد اشتدت، والحاجة قد اتسعت، والناس قد ضاقت بهم السبل. ومن جميل خصال أهل السودان أنهم لا يقفون عادةً موقف المتفرج عند الشدائد، بل يعرفون معنى الفزعة، والنفير، والتكافل، ومدّ اليد عند الضيق. وهذه خصلة كريمة لا يجوز التقليل من قدرها، ولا الاستهانة بأثرها في مواساة الناس وتخفيف بعض آلامهم.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نقف عنده اليوم بهدوءٍ وتدبّر هو: هل تكفي النفرات الشعبية لمعالجة ما يعيشه السودان الآن من أزمات عامة شاملة؟ وهل يصلح النفير، مهما حسنت نواياه، أن يكون بديلاً عن السياسات الكلية الرشيدة، وعن الدولة المنظمة، وعن الإصلاح العام الذي يعالج أصل الداء لا مظاهره؟
لقد بدأ بعض الإخوة الحادبين المتحمسين يدعون إلى إحياء نفرات عامة لمعالجة بعض الإشكالات التي تعاني منها جموع أهل السودان على المستوى القومي. وربما كانت مثل هذه الدعوات نافعةً ومؤثرةً لو كانت المشكلات قليلةً ومحدودةً ومحاصرةً في موضع بعينه، كأن تكون قرية تحتاج إلى صيانة مدرسة، أو حي يحتاج إلى إصلاح بئر، أو أسرة تحتاج إلى علاج مريض، أو مجموعة صغيرة تحتاج إلى عون عاجل في ظرف طارئ. في مثل هذه الحالات يكون النفير نافعًا، بل مطلوبًا، لأنه يتعامل مع مشكلة محددة، في نطاق محدود، وبجهد يمكن جمعه وتوجيهه ومتابعته.
أما حين تتسع الأزمة حتى تشمل الوطن كله، وحين لا يبقى قطاع واحد خارج دائرة التدهور، فإن الأمر يتجاوز حدود النفير، ويدخل في باب السياسات الكلية، وإدارة الدولة، وإصلاح النظم العامة.
فالمتأمل في حال البلاد والعباد اليوم لا يحتاج إلى كبير جهد ليدرك أن الإشكالات لم تعد قليلة ولا عارضة، بل انتشرت وشاعت وعمت، حتى طالت جميع وجوه الحياة تقريبًا: الأمن، والصحة، والتعليم، والاتصالات، والمواصلات، والغذاء، والاقتصاد، وفرص العمل، والزواج، والأسرة، والشباب، والمخدرات، والعنوسة، وتأخر الزواج، وضعف الخدمات، وغلاء المعيشة، وانسداد الأفق.
ولا تقف الأزمة عند نقص مال هنا أو عجز طارئ هناك، بل تمتد إلى أمهات المشكلات التي تمسك بأصل حياة الناس. فالكهرباء لا تنقطع فقط لأن حيًا بعينه لم يجمع مساهمة لإصلاح عطل صغير، وإنما تنقطع لأن التوليد العام نفسه ضعيف، ولأن المحطات تقادمت، والماكينات تآكلت، وشبكات النقل والتوزيع أُنهكت، والكيبلات تهالكت، والمحولات دُمّرت أو احترقت أو عجزت عن حمل الأحمال، ولأن الصيانة الدورية غابت أو ضعفت، ولأن التخطيط للطاقة لم يواكب حاجة البلاد ولا نمو السكان ولا توسع المدن والأسواق والمصانع.
وكذلك الماء لا ينقطع في كثير من المواضع لمجرد عطل محدود في مضخة يمكن إصلاحها بنفير سريع، بل بسبب ضعف شبكات المياه، وتهالك الخطوط، ورداءة التخطيط، وعدم كفاية المحطات، وغياب الصيانة، وتلوث المصادر أحيانًا، وضعف القدرة على توفير الطاقة والتشغيل والرقابة. والصحة لا تنهار لأن مستشفى واحدًا يحتاج إلى تبرع بجهاز أو دواء، بل لأن النظام الصحي كله يعاني من نقص الكوادر، وغلاء الدواء، وضعف الإمداد، وهجرة الأطباء، وتدهور المستشفيات، وغياب التأمين الصحي الفاعل، وضعف الوقاية والرعاية الأولية.
والتعليم لا يضعف لأن مدرسة واحدة تحتاج إلى ترميم فصل أو شراء إجلاس، بل لأن المعلم نفسه منهك، والمنهج مضطرب، والبيئة المدرسية ضعيفة، والكتاب قد يغيب، والراتب لا يكفي، والتدريب لا يواكب، والمدارس في أطراف كثيرة صارت أقل من الحد الأدنى اللازم لبناء الإنسان. والاتصالات لا تضطرب فقط بسبب برج يحتاج إلى وقود أو بطارية، بل لأن الشبكات نفسها تحتاج إلى أمن، وطاقة مستقرة، ومعدات حديثة، وربط قوي، ورقابة صارمة، واستثمارات متواصلة، وتخطيط يجعل الاتصال خدمة سيادية لا رفاهية عارضة.
أما المواصلات والطرق، فليست مشكلتها في حفرة هنا أو طريق داخلي هناك فحسب، وإنما في ضعف شبكة الطرق القومية، وتهالك الجسور، وارتفاع تكلفة الوقود، ورداءة الصيانة، وغياب النقل العام المنظم، وانقطاع سلاسل الإمداد، وضعف السكك الحديدية، وتراجع النقل النهري، وتدهور الطيران والمطارات والخدمات المرتبطة بها. والزراعة لا تتعثر فقط لأن مزارعًا يحتاج إلى مساعدة في حرث أرضه، بل بسبب ضعف التمويل، وارتفاع تكلفة المدخلات، وغياب التخزين، ورداءة التسويق، وندرة الوقود، ومشكلات الري، وضعف الإرشاد الزراعي، وتذبذب الأسعار، وغياب الصناعات التحويلية التي تحفظ قيمة المنتج.
والاقتصاد لا يختنق لأن بعض الناس لم يتبرعوا لبعضهم، بل لأن السياسات الكلية مضطربة، وسعر الصرف مختل، والضرائب والجبايات مرهقة، والاستثمار مقيد، والتجارة مكبلة، والإنتاج ضعيف، والصادرات لا توازي حجم ثروات السودان القابلة للتصدير، والرقمنة ناقصة، والفساد والاحتكار والتهريب والفوضى تلتهم جهد الناس. وحين يضعف الاقتصاد تضعف الأسرة، ويتأخر الزواج، وتزداد البطالة، ويضيق أفق الشباب، وتنتشر المخدرات والجريمة واليأس والهجرة، وتتحول الأزمة من مشكلة مال إلى مشكلة مجتمع وأمن وقيم ومستقبل.
حتى صار من الصعب أن تجد قطاعًا كبيرًا أو صغيرًا يمكن أن يقال عنه إنه خارج دائرة المعاناة. فالمشكلة ليست في باب واحد من أبواب الحياة، وإنما في بنية عامة اختلت، وفي سياسات كلية لم تُحسن إدارة الموارد والناس والفرص.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: النفير يقوم عادةً على أن جماعة أقدر تعين جماعة أضعف، أو أن أهل السعة يمدون يدهم إلى أهل الضيق، أو أن منطقة أقل تضررًا تساعد منطقة أشد تضررًا. لكن ماذا يحدث حين يكون الذين يُطلب منهم الدعم أنفسهم مأزومين؟ وماذا يحدث حين يكون الداعم والمحتاج واقعين في الدائرة نفسها من الضيق؟ وماذا يفعل النفير حين تكون الأزمة عامة لا خاصة، وشاملة لا جزئية، وممتدة لا عارضة؟
إن النفير في هذه الحالة قد يخفف ألمًا هنا أو هناك، وقد يسد ثغرة صغيرة في موضع محدود، لكنه لا يستطيع أن يحمل أوجاع وطن كامل. فالبلاد التي تعاني من اختلال عام في السياسات لا تُنقذها حملات متفرقة، ولا تعالجها مبادرات عاطفية مهما صدقت، ولا تنهض بها جهود جزئية معزولة عن أصل المشكلة.
ولا يعني هذا إلغاء النفير أو التقليل من شأن المبادرات الشعبية، بل يعني وضع كل شيء في موضعه الصحيح. فالنفير يصلح في القرى، والأحياء، والمجموعات الصغيرة، والحالات المحددة، والمشروعات القريبة التي يمكن للناس أن يجتمعوا حولها ويتابعوا أثرها مباشرة. يصلح لإصلاح مدرسة في قرية، أو دعم مركز صحي صغير، أو مساعدة أسرة، أو ترميم مسجد، أو حفر بئر، أو تهيئة طريق داخلي، أو دعم مبادرة محلية ذات نطاق واضح. أما أن يُطلب من النفير أن يعالج انهيار التعليم القومي، أو ضعف النظام الصحي، أو أزمة الكهرباء القومية، أو اختلال الاقتصاد، أو ضعف الأمن، أو انهيار الخدمات، أو تفشي البطالة والمخدرات وتأخر الزواج، فهذا تحميل له فوق طاقته، ونقل للأزمة من موضعها الحقيقي إلى موضع لا يملك أدوات علاجها.
بل إن نفرةً عبر المواطنين لإصلاح قطاع عام كقطاع الكهرباء أو التعليم أو الصحة، حتى لو قامت على إخلاصٍ وحماسٍ كبيرين، لن تستطيع غالبًا أن تبلغ غايتها الحقيقية؛ لأن هذه القطاعات لا تقوم على مساهمة عابرة، ولا تُصلحها حملة مؤقتة، ولا يكفي فيها جمع مال هنا أو شراء معدة هناك. وإن نجحت مثل هذه النفرة في موضع محدود، فسيكون نجاحها في الغالب جزئيًا، موضعيًا، قصير المدى، سرعان ما تئده وتقضي عليه البيئة الكلية المضطربة نفسها؛ إذ تعود المشكلة من أبواب أخرى: من ضعف التمويل العام، أو خلل الإدارة، أو فساد التعاقدات، أو غياب الصيانة، أو اضطراب سعر الصرف، أو ضعف القوانين، أو انعدام الرقابة، أو اختلال سلاسل الإمداد، أو عجز الدولة عن بناء نظام مستقر يحفظ ما أُنجز ويطوره.
فلا يمكن لنفير شعبي أن يبني منظومة توليد كهربائي قومية، أو يحدّث محطات الطاقة، أو يعيد تأهيل شبكات النقل والتوزيع، أو يضع سياسة مستقرة للوقود والطاقة. ولا يمكنه أن يعالج اختلال سعر الصرف، أو يصلح النظام الضريبي، أو يفتح أبواب الاستثمار، أو يبني شبكة طرق قومية، أو يعيد السكك الحديدية، أو يضبط الصادرات والواردات، أو يوقف تهريب الموارد، أو ينشئ نظامًا صحيًا وتعليميًا متماسكًا. هذه مسائل دولة وسياسات ومؤسسات، لا مسائل حماس اجتماعي عابر مهما كان نبيلًا.
إن أصل البلاء ليس في ضعف حماس الناس، ولا في قلة الخير فيهم، ولا في غياب الرغبة في العون، وإنما في غياب السياسات الكلية الصائبة، وفي التخبطات العامة الخائبة التي ظلت تنتج الأزمات وتراكمها حتى صارت الأزمة الواحدة تلد أزمات أخرى. فإذا اختل الاقتصاد اختلت المعيشة، وإذا اختلت المعيشة ضعفت الأسرة، وإذا ضعفت الأسرة تأخر الزواج، وظهرت العنوسة، وانتشرت البطالة، وانفتح الباب للمخدرات والجريمة، وإذا ضعف التعليم ضعفت الكفاءة، وإذا ضعفت الصحة زادت معاناة الناس، وإذا تدهورت الكهرباء والاتصالات والمواصلات تعطلت حركة السوق والعمل والخدمات، وهكذا تتشابك الأزمات حتى لا يعود من الحكمة أن نعالج كل عرض وحده بمعزل عن الأصل الجامع.
ولهذا فإن الواجب اليوم ليس أن ننشغل فقط بكيفية جمع المال لهذا القطاع أو ذاك، ولا أن ننقل عبء الدولة كله إلى كاهل المواطن المنهك، بل أن نتدبر أصول هذه الإشكالات: ما السياسات التي أنتجت هذا الواقع؟ ما التشوهات التي عطلت الاقتصاد؟ ما القيود التي خنقت العمل والاستثمار؟ ما مظاهر التخبط الإداري التي أهدرت الموارد؟ ما أسباب ضعف الرقابة والمساءلة؟ ما مواضع الفشل في التخطيط والتنفيذ؟ وكيف ننتقل من ردود الأفعال الجزئية إلى رؤية كلية تعالج الجذور؟
إن السودان لا يحتاج إلى نفير كبير يعالج أعراضًا لا تنتهي، بل يحتاج قبل ذلك إلى نهضة في التفكير، وإلى سياسات كلية رشيدة، وإلى إدارة عامة منضبطة، وإلى إصلاح القوانين التي تكبّل العمل والإنتاج والاستثمار، وإلى تحرير طاقات الناس من القيود المعطلة، وإلى تحرير العملة وفق آلية العرض والطلب عبر منصة مركزية شفافة تُعلن فيها أسعار البنوك والصرافات والجهات المرخصة في النور، لا عبر التوجيه الإداري ولا التسعير القسري الذي يدفع التداول إلى الظلام ويخلق سوقًا موازية أقوى من القرار الرسمي.
ويحتاج السودان كذلك إلى رقمنة الخدمات، وضبط المال العام، وتوحيد الرسوم والجبايات، وفتح أبواب العمل والإنتاج والاستثمار، وإصلاح الكهرباء والمياه والطرق والتعليم والصحة والاتصالات والزراعة والصناعة من جذورها، وتحويل الدولة من عبء على المجتمع إلى منظّم عادل يفتح الطريق، ويحمي الحقوق، ويمنع الفوضى والفساد والاحتكار.
وحين تقوم السياسات الصحيحة، يصبح النفير معينًا نافعًا لا بديلاً عن الدولة. يصبح النفير طاقة اجتماعية داعمة للمشروعات المحلية، لا حيلة اضطرارية لسد ثقوب لا تنتهي. يصبح التكافل الشعبي مكملاً للإصلاح، لا غطاء على فشل السياسات. ويصبح المجتمع شريكًا في البناء، لا ضحية يُطلب منها أن تعالج بيدها ما صنعه سوء الإدارة والتخبط العام.
إن أعظم ما ينبغي أن نخشاه هو أن تتحول الدعوات الطيبة إلى مسكنات عاطفية تُريح الضمير مؤقتًا، لكنها لا تغيّر الواقع. فالمشكلة حين تكون كلية لا تُحل بجزئيات متناثرة، وحين يكون المرض في بنية السياسات لا يكفي أن نداوي آثاره على الأطراف. ومن أراد أن يخدم السودان حقًا فليدعُ إلى معالجة الجذور، لا إلى ملاحقة الأعراض وحدها.
نعم، ليبقَ النفير في مكانه الجميل: في القرية، والحي، والمبادرة المحدودة، والحاجة العاجلة، والتكافل القريب. أما أوجاع الوطن الكبرى فلا بد لها من رؤية كبرى، وسياسات كبرى، وإصلاح كلي شجاع. فالوطن لا ينهض بالحماس وحده، ولا بالنيات الحسنة وحدها، وإنما ينهض حين تتحول الغيرة الصادقة إلى فهم صحيح، والفهم الصحيح إلى سياسة رشيدة، والسياسة الرشيدة إلى عمل منظم يفتح للناس أبواب الحياة، بدل أن يطلب منهم كل يوم أن يتنافروا لإطفاء حريق جديد.





