الغذاء صحةٌ أو مرض (8 من 20): الخضروات والفواكه دواءٌ يوميٌّ مهمل
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

من أعجب ما في حياة الناس أن كثيرين يبحثون عن الصحة في الأشياء البعيدة والمعقدة والغالية، وينسون ما جعله الله قريبًا منهم في الأرض والشجر والبساتين والأسواق والبيوت. فالخضروات والفواكه ليست زينةً جانبيةً على المائدة، ولا طعامًا ثانويًا يؤكل إذا وُجد ويُترك إذا غاب، بل هي من أعظم أبواب التغذية اليومية؛ بما فيها من ماءٍ وأليافٍ ومعادن وفيتامينات ومركبات نافعة، وبما تعطيه للجسد من خفةٍ وشبعٍ وتنظيمٍ للهضم ومساعدةٍ على الوقاية من كثيرٍ من اختلالات الغذاء المعاصر.
وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى تنوع النبات والثمار، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99]. وهذه الآية تجمع الماء والنبات والخضر والحبوب والنخل والعنب والزيتون والرمان، وتدعو الإنسان إلى النظر في الثمر حين يخرج وينضج. ومن هذا النظر أن لا يرى الإنسان الخضرة والفاكهة مجرد لونٍ جميل، بل رزقًا متنوعًا قائمًا على حكمةٍ في الخلق، ومنفعةٍ في الغذاء.
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر أصنافٍ من نبات الأرض المأكول، مما يدل على أن الخضرة والبقول والجذور والثمار جزءٌ أصيل من غذاء الإنسان، لا أمرٌ طارئ على المائدة. ففي قصة بني إسرائيل جاء ذكر البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل، قال تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: 61]. والآية جاءت في سياق ذم اعتراضهم وسوء اختيارهم، لا في ذم هذه الأطعمة في ذاتها، فهي من نبات الأرض المعروف الذي عاش عليه الناس. وجاء كذلك ذكر اليقطين في رعاية الله ليونس عليه السلام، فقال سبحانه: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: 146]،
واليقطين من النبات اللطيف النافع، وفي ذكره إشارة إلى أن ما يخرجه الله من الأرض قد يكون سببًا في اللطف والرعاية وترميم الضعف بإذنه.
وفي السنة النبوية حضورٌ واضح لبعض هذه الأطعمة النباتية. فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثاء بالرطب، وكان يحب الدباء، وهو القرع، حتى جاء في الصحيح أن أنس بن مالك رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة. كما ورد ذكر الثوم والبصل والكراث في النهي عن حضور المسجد مع بقاء رائحتها المؤذية، لا في تحريم أكلها؛ ففي الحديث: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة
تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم». وهذا كله يدل على أن نبات الأرض المأكول حاضر في الهدي القرآني والنبوي، وأن الخضروات والبقول ليست طعامًا هامشيًا، بل من رزق الله الذي يحسن بالناس أن ينتفعوا به في موضعه، بنظافةٍ واعتدالٍ وحسن إعداد.
والخضروات والفواكه تمتاز بأنها تعطي الجسد ما لا تعطيه النشويات وحدها، ولا اللحوم وحدها، ولا الزيوت وحدها. فالإنسان إذا أكثر من الخبز والدقيق والرز والعصائد
والمقليات واللحوم الثقيلة، ثم أهمل الخضرة والفاكهة، فقد يملأ بطنه لكنه يحرم جسده من أشياء دقيقة يحتاجها كل يوم. ولهذا قد تجد إنسانًا يأكل كثيرًا، لكنه يشكو الإمساك والخمول وثقل البدن وسوء الهضم، لأن طعامه ممتلئ من جهة، وفقير من جهة أخرى. والميزان الصحيح أن يكون في الطعام نصيب حاضر من النبات الطازج أو المطبوخ برفق، لا أن تأتي الخضرة عابرةً أو منسيةً.
ومن أكبر فوائد الخضروات والفواكه أنها غنية بالألياف، والألياف لا يراها الإنسان بعينه كما يرى اللحم أو الزيت أو الخبز، لكنها تؤدي عملًا عظيمًا في الجسد. فهي تساعد على انتظام الهضم، وتطيل الإحساس بالشبع، وتخفف اندفاع الإنسان إلى كثرة الأكل، وتعين على تحسين حركة الأمعاء، وتؤثر في توازن الطعام داخل الجسم. ولذلك فإن من يأكل طبقًا فيه خضرة وبقول وحبوب كاملة يكون شبعُه في الغالب أهدأ وأطول من شبع من يملأ بطنه بخبزٍ أبيض وسكرٍ وزيتٍ فقط.
وفي القرآن الكريم ذكرٌ متكرر للنبات والثمار بوصفها رزقًا ومتاعًا ورحمة، قال تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: 19]. فالفواكه ليست ترفًا خارج الطعام، بل هي مما امتن الله به على عباده ليأكلوا منه. غير أن الناس أحيانًا يبدلون هذه النعمة بما هو أضعف منها؛ فيتركون الفاكهة الطبيعية إلى الحلوى، ويتركون الثمرة الكاملة إلى العصير الصناعي، ويتركون الخضرة إلى المخللات الشديدة الملح أو الصلصات الجاهزة، ثم يشتكون من اختلال الغذاء.
وفي واقعنا السوداني، الخضروات والفواكه ليست غريبة عن حياة الناس، ولكن حضورها في الطعام لا يزال أقل مما ينبغي في كثير من البيوت. فالويكة، والبامية، والملوخية، والرجلة، والخضرة الورقية، والطماطم، والبصل، والجرجير، والخيار، والجزر، والقرع، والباذنجان، والليمون، والمانجو، والجوافة، والبرتقال، والتمر، والموز، والقنقليز، وغيرها من خيرات الأرض، يمكن أن تكون سندًا عظيمًا للصحة إذا دخلت في العادة اليومية. وليست القضية أن يأكل الناس أغلى الفواكه، بل أن يجعلوا المتاح الموسمي جزءًا من نظام البيت.
ومن الخطأ أن يتعامل الإنسان مع الخضروات على أنها شيءٌ للمرضى فقط. بعض الناس لا يتذكر السلطة إلا إذا نصحه الطبيب، ولا يلتفت إلى الخضرة إلا بعد ارتفاع السكر أو الضغط أو زيادة الوزن. والصواب أن تكون الخضرة عادةً قبل المرض، لا علاجًا متأخرًا بعده. فالوقاية لا تبدأ عند باب المستشفى، بل تبدأ من القدر والصحن والسوق. وكل بيتٍ يجعل الخضرة جزءًا طبيعيًا من طعامه، لا شيئًا استثنائيًا، يضع أساسًا من أسس الصحة اليومية.
وقد جاء في القرآن الكريم ذكر ثمارٍ متعددة في سياق الامتنان والتذكير، قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68]. وهذه الآية في وصف نعيم الجنة، لكنها تذكّر كذلك بما يعرفه الإنسان من جمال الثمار ومكانتها في حسه وفطرته. فالفاكهة ليست مجرد طعمٍ حلو، بل هي صورة من صور النعمة، يجتمع فيها اللون والرائحة والطعم والماء والعناصر النافعة. وإذا كانت الفاكهة مما يُذكر في مقام النعيم، فليس من الحكمة أن يزهد فيها الناس في حياتهم اليومية ثم يستبدلوها بما هو أدنى وأشد ضررًا.
ومن المهم هنا أن نفرق بين الفاكهة الكاملة والعصير. فالبرتقالة أو الجوافة أو التفاحة أو المانجو أو الموزة أو التمرة تؤكل ببطء، وتشغل المعدة، وتدخل معها أليافها، أما العصير فقد يشربه الإنسان سريعًا، وقد يحتاج إلى عدة ثمرات في كوب واحد، ثم قد يضاف إليه السكر، فتقل فائدته النسبية ويزيد حمله السكري. فالأصلح في العادة أن تؤكل الفاكهة كما هي، خاصة لمن يريد ضبط الوزن أو السكر أو تقليل الحلاوة العالية.
والخضروات كذلك قد تفسدها طريقة الإعداد. فالخضرة التي تُطبخ بكميات كبيرة من الزيت والملح تفقد كثيرًا من مقصدها الصحي. والسلطة إذا غرقت في الصلصات والملح صارت أقل نفعًا. والخضار إذا طال طبخه حتى ذبلت قيمته، أو أُضيفت إليه مكعبات النكهة والدهون الكثيرة، صار أبعد عن البساطة. وليس المطلوب أن يأكل الناس طعامًا بلا طعم، بل أن يُحسنوا استعمال الليمون، والثوم، والبصل، والبهارات الطبيعية، وقليل الزيت، وقليل الملح، حتى تبقى الخضرة خادمة للصحة لا وعاءً جديدًا للإفراط.
ومن الأمور التي ينبغي أن ينتبه لها البيت أن الخضرة ليست مجرد طبق سلطة كبير في المناسبات، بل يمكن إدخالها في الطعام اليومي بطرق بسيطة. يمكن إضافة البصل والطماطم والجرجير إلى الفول، وإضافة الويكة أو الخضرة الورقية إلى الملاح، وتقديم الخيار أو الطماطم أو الجزر مع الوجبة، واستعمال الليمون بدل زيادة الملح، وإعداد شوربة خضار خفيفة، وجعل الفاكهة بدل الحلوى في بعض الأيام، وإعطاء الطفل ثمرةً يحملها إلى المدرسة بدل منتجٍ محلى أو مقرمشٍ مالح. هذه خطوات صغيرة لكنها تصنع ذوقًا جديدًا في البيت.
والأطفال يحتاجون إلى تربية مبكرة على الخضروات والفواكه. فالطفل لا يولد كارهًا للخضرة بالضرورة، ولكنه يتعلم من البيت ومن الإعلان ومن التكرار. فإذا رأى الكبار لا يأكلون الخضرة، ولا يشترون الفاكهة إلا نادرًا، ويملؤون البيت بالبسكويت والمشروبات المحلاة والمقرمشات، فمن الطبيعي أن يتجه إلى ما تعود عليه. أما إذا رأى الخضرة على المائدة كل يوم، ورأى الفاكهة بديلًا طبيعيًا للحلوى، وتعود أن يأكلها دون ضغطٍ وعقابٍ وصراخ، صار قبولها أسهل.
وفي السنة النبوية ما يدل على بساطة الطعام وقبول ما تيسر من طيبات الأرض. وهذا الهدي النبوي يفتح بابًا في فهم التوازن الفطري: طعام بسيط، قريب من الأرض، غير متكلف، لا يقوم على التعقيد ولا الإغراق في الدسم، بل على القبول بالطيب المتاح، والبساطة، والاعتدال.
والفواكه، مع فضلها، تحتاج كذلك إلى قدرٍ ووعي. فمن الخطأ أن يظن الإنسان أن كل ما كان طبيعيًا يؤكل بلا حد. فمريض السكري مثلًا يحتاج إلى تنظيم الفواكه بحسب
حالته ونصيحة طبيبه، وبعض الناس قد تناسبهم فاكهة أكثر من غيرها، ومن يريد إنقاص وزنه لا يجعل الفاكهة ذريعةً للأكل المستمر بلا حساب. لكن هذا لا يلغي الأصل العام: أن الفاكهة الكاملة في قدرها خيرٌ من الحلوى الصناعية والمشروبات المحلاة، بل وخيرٌ من العصير الطبيعي نفسه إذا فُصل عن لُبّ الثمرة وأليافها، وأن إدخالها في نظام البيت أفضل من إهمالها تمامًا.
ومن الأخطاء كذلك أن يقال: الخضروات والفواكه غالية، ثم لا ينظر البيت إلى ما يصرفه يوميًا على الشاي الكثير السكر، والمشروبات الغازية، والحلويات، والمقرمشات، والمخبوزات الجاهزة. قد تكون بعض الفواكه غالية فعلًا في مواسم معينة، ولا يصح أن نكلف الناس ما لا يطيقون، لكن هناك دائمًا تفاوت في الأسعار والمواسم والبدائل. والخضروات الموسمية الرخيصة أنفع من منتجٍ مصنعٍ أغلى. والحكمة أن يشتري الإنسان بحسب الموسم والقدرة، لا أن يجعل غلاء بعض الأصناف حجة لترك الباب كله.
وقد قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: 20]. وهذه الآية في نعيم أهل الجنة، ولكن لفظ الاختيار يلفت إلى تنوع الفاكهة وميل النفس إليها. وفي الدنيا أيضًا، من الحكمة أن يستفيد الإنسان من التنوع؛ فلا يحصر نفسه في نوعٍ واحدٍ دائمًا إن قدر على غيره، ولا يظن أن ثمرةً واحدةً تقوم مقام كل شيء. فالتنوع في الألوان والأنواع غالبًا يوسع دائرة الفائدة: خضرة ورقية، وخضار ملون، وفاكهة موسمية، وبقول، وحبوب، وماء. بهذا يتكون الطبق الأقرب إلى التوازن.
والخضروات الورقية خاصةً مظلومة في كثير من الموائد. فالجرجير، والرجلة، والملوخية، والخضرة المحلية بأنواعها، ليست مجرد إضافات رخيصة، بل أطعمة ذات قيمة. وهي تساعد على إدخال الألياف والمعادن والماء إلى الطعام، وتخفف من غلبة النشويات والدهون. وإذا اعتاد البيت أن يضع شيئًا من الخضرة الورقية في يومه، فقد أضاف إلى غذائه بابًا واسعًا من النفع بتكلفة ليست بالضرورة عالية.
ومما ينبغي التنبه له غسل الخضروات والفواكه جيدًا وحفظها بطريقة سليمة. فالطعام النافع إذا تلوث قد يتحول إلى سبب مرض. ولا يكفي أن تكون الخضرة مفيدة في أصلها، بل لا بد أن تصل إلى الفم نظيفةً مأمونة. وفي البيوت والقرى والأسواق يجب الانتباه إلى غسل الأوراق، وتنظيف الثمار، وحفظها من الذباب والغبار، وعدم تقطيعها ثم تركها مكشوفة طويلًا، وعدم استعمال ماءٍ ملوثٍ في غسلها. فالصحة لا تكون بنوع الطعام فقط، بل بسلامته أيضًا.
وقد جعل الله تعالى الأرض ذلولًا للإنسان يمشي في مناكبها ويأكل من رزقه، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. وهذه الآية تجمع الحركة والأكل والرجوع إلى الله. ومن رزق الأرض ما تنبته من خضروات وفواكه وحبوب، ومن شكر هذا الرزق أن يؤكل باعتدال ونظافة وحسن استعمال، لا أن يهمل الناس النافع القريب ثم يطلبوا العافية في أقراصٍ ومكملاتٍ ووعودٍ تجارية.
وفي الزراعة المنزلية باب عظيم للصحة والاقتصاد، خصوصًا في القرى والأطراف والبيوت التي تملك مساحة ولو صغيرة. يمكن لبعض الأسر أن تزرع جرجيرًا، أو ملوخية، أو بصلًا أخضر، أو نعناعًا، أو طماطم، أو خضرة موسمية، ولو بقدر محدود. وهذا لا يحل كل المشكلة، لكنه يربط البيت بالطعام الحي، ويعلّم الأطفال قيمة الأرض، ويخفف من كلفة الشراء، ويجعل الخضرة أقرب إلى المائدة. والبيت الذي يزرع شيئًا مما يأكل يكتسب وعيًا لا يعطيه الشراء وحده.
ومن أنفع القواعد العملية أن يكون في كل وجبة رئيسية
نصيب من الخضرة ما أمكن، وأن تكون الفاكهة بديلًا متكررًا للحلوى لا إضافةً فوق الحلوى، وأن لا تُشرب الفواكه دائمًا عصيرًا، وأن لا تُغرق السلطة بالملح والزيت، وأن تُشترى الخضروات حسب الموسم، وأن يتعلم الطفل أسماءها وطعمها لا أن يراها غريبةً عن حياته. فإذا صارت الخضرة والفاكهة عادةً، قلّت الحاجة إلى الوعظ المتكرر، لأن العادة نفسها تتحول إلى تربية.
ومن الأسئلة التي ينبغي أن يسألها كل بيت: هل في طعامنا خضرة يومية؟ هل يأكل أطفالنا الفاكهة أم يعرفون الحلاوة من البسكويت والعصائر فقط؟ هل نغسل الخضروات جيدًا؟ هل نشتري بحسب الموسم أم نهمل الباب كله إذا غلا صنفٌ واحد؟ هل طبقنا كله خبزٌ وزيتٌ وملحٌ ولحم، أم فيه شيء من الأرض الخضراء؟ هل نستطيع أن نزرع شيئًا بسيطًا في البيت أو القرية؟ هذه الأسئلة ليست معقدة، لكنها تكشف كثيرًا من الخلل.
إن الخضروات والفواكه دواءٌ يوميٌّ مهمل، لا بمعنى أنها تغني عن الدواء عند المرض، ولا بمعنى أنها تعالج كل شيء، ولكن بمعنى أنها من أعظم أبواب الوقاية وبناء الصحة إذا حضرت في المائدة بانتظام. فهي لا تعمل كالمسكن السريع الذي يشعر الإنسان بأثره فورًا، وإنما تعمل عمل العادات العميقة: تصلح ببطء، وتبني بصمت، وتوازن ما يطغى في الطعام من نشوياتٍ ودهونٍ وملحٍ وسكر.
وهكذا يكون الغذاء صحةً حين نعيد للخضروات والفواكه مكانها الطبيعي، ويكون مرضًا حين نُقصيها من موائدنا ثم نملأ الفراغ بما هو أدنى منها. فالخضرة ليست زينةً، والفاكهة ليست ترفًا، وما تنبته الأرض من ألوان الرزق ليس شيئًا ثانويًا في حياة الإنسان. ومن جعل في بيته نصيبًا يوميًا من الخضروات والفواكه، بقدر ما تيسر، وغسلها وحفظها وأكلها بقدرٍ ووعي، فقد فتح بابًا واسعًا للعافية، وأعاد إلى المائدة شيئًا من فطرة الغذاء الأولى: ماءٌ من السماء، ونباتٌ من الأرض، وثمرٌ ناضج، وجسدٌ يشكر النعمة بحسن الانتفاع بها.





