مقالات

الغذاء صحةٌ أو مرض (2 من 20): لماذا كثرت الأمراض مع كثرة الطعام؟

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

كان الناس في أزمنةٍ كثيرة يخافون من الجوع وقلة الطعام فقط، أما الإنسان المعاصر فقد صار يخاف، في كثيرٍ من الأحيان، من الطعام نفسه؛ لا لأن الطعام في ذاته عدوٌّ للإنسان، بل لأن الوفرة، إن تيسرت ثم انفصلت عن الوعي، تتحول من نعمةٍ إلى عبء، ومن سببٍ للقوة إلى مدخلٍ للمرض. فقد امتلأت الأسواق بالأطعمة، وتعددت المشروبات، وتيسرت الوجبات السريعة، وكثرت المعلبات والمخبوزات والحلويات، وصار الطعام حاضرًا في كل وقت، ومع ذلك زادت أمراض السمنة والسكري والضغط والقلب واضطرابات الهضم والكبد والمفاصل، حتى بدا كأن أمراض الإنسان تتضاعف من سوء اختياره وكثرة ما يدخل إلى جسده بلا توازن.

وليست المشكلة أن الناس يأكلون، فالأكل ضرورة من ضرورات الحياة، ولكن المشكلة أن كثيرًا من الموائد فقدت معناها المتوازن. فقد صار الطعام عند بعض الناس عادةً لا حاجة، ومتعةً لا حساب معها، ومجاملةً اجتماعيةً لا يملك الإنسان أمامها قدرة على الاعتدال. يأكل لأنه جالس، ويشرب لأنه اعتاد، ويزيد لأن الطعم يعجبه، ويكرر لأن الطعام أمامه، ثم يظن بعد ذلك أن الجسد يستطيع أن يحتمل كل شيء بلا أثر.

وفي القرآن الكريم تنبيه عميق إلى خطورة الانغماس في المتاع بلا وعي، حين قال تعالى في وصف حال من غلبت عليهم الغفلة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: 12]. والآية ليست ذمًّا للأكل في ذاته، فقد أباح الله الطيبات لعباده، ولكنها ذمٌّ لنمطٍ من العيش ينزل بالإنسان من مقام الوعي والمسؤولية إلى مقام الاسترسال مع الشهوة وحدها، فيأكل كما تأكل الأنعام: بلا نظرٍ في الغاية، ولا شكرٍ للنعمة، ولا ضبطٍ للشهوة، ولا اعتبارٍ لعاقبة السلوك. وهذا المعنى، إذا نُظر إليه في باب التغذية، يبين أن المشكلة ليست في وجود الطعام، بل في أن يتحول الطعام إلى استهلاكٍ غافل لا تحكمه بصيرة.

ومن أخطر ما حدث في حياة الناس أن الطعام خرج من بساطته القديمة إلى تعقيدٍ شديد. في الماضي كان الإنسان غالبًا يأكل طعامًا، وإن قل، قريبًا من أصله: حبوبًا، وبقولًا، وخضرةً، ولبنًا، ولحمًا عند القدرة، وتمرًا، وفاكهة موسمية، وماءً. أما اليوم فقد دخلت على المائدة أطعمة كثيرة لا يعرف الإنسان تركيبها الحقيقي: مشروبات محلاة، وعصائر صناعية، وبسكويت، وشرائح مقلية، وصلصات جاهزة، ولحوم مصنّعة، ومعجنات محشوة، وحلويات كثيرة السكر والدهن، وأطعمة تحفظ طويلًا لأنها محملة بمواد وإضافات تجعلها بعيدة عن بساطة الطعام الطبيعي. وكلما ابتعد الطعام عن أصله، احتاج الإنسان إلى وعيٍ أكبر حتى لا يخدع نفسه بالشكل والطعم والرائحة.

وليس كل جديدٍ مرفوضًا لمجرد أنه جديد، ولا كل قديمٍ صحيحًا لمجرد أنه قديم، ولكن الميزان أن يعرف الإنسان ما يدخل إلى جسده، وأن يفرق بين الطعام الذي يغذّي، والطعام الذي يملأ فقط، والطعام الذي يرهق البدن ولو أمتع اللسان. وإذا كان الشرع قد شدد في أن يكون مطعم الإنسان حلالًا، فإن تمام الفقه والحل أن يتحرى الإنسان أيضًا ما كان طيبًا نافعًا غير مفسدٍ لجسده بقدر استطاعته.

وكثير من الأمراض الحديثة لم تظهر لأنها جاءت فجأة من فراغ، بل لأنها وجدت أرضًا ممهدة في عاداتٍ يوميةٍ تتكرر بصمت. فالسكر الزائد لا يصرخ في اليوم الأول، والملح الزائد لا يعلن أثره في أول وجبة، والزيت الكثير، لا سيما المهدرج، لا يكشف نتائجه بعد طبقٍ واحد، والنوم بعد الطعام لا يهدم الجسد في ليلةٍ واحدة، وقلة الحركة لا تظهر عاقبتها في أسبوعٍ واحد، ولكن الجسد يسجل كل ذلك في صمت، حتى إذا تراكمت السنين بدأ الإنسان يرى النتيجة في ضغطٍ يرتفع، أو سكرٍ يضطرب، أو وزنٍ يزيد، أو نفسٍ يضيق، أو كسلٍ يلازمه، أو مفاصل تتعب، أو قلبٍ يرسل إنذاراته المتأخرة.

ومن هنا فإن كثرة الأمراض مع كثرة الطعام ليست لغزًا. إنما اللغز أن نظن أن الجسد آلة بلا حدود. فالبدن له قدرة على الاحتمال، لكنه ليس مخزنًا مفتوحًا لكل ما نشتهي. وحين تزيد الطاقة الداخلة إليه على ما يحتاجه وما يحرقه بالحركة والعمل، تتحول الزيادة إلى عبء. وحين يكثر السكر في الشراب والطعام، يرهق ذلك نظام التوازن في الجسم. وحين يغلب الملح على المائدة، يتأثر ضغط الدم عند كثيرين. وحين تطغى الدهون الرديئة والمقليات والأطعمة الثقيلة، تتأثر الشرايين والكبد والوزن. وحين تقل الألياف والخضروات والبقول والحبوب الكاملة، يضعف انتظام الهضم والشبع، ويفقد الطعام جانبًا مهمًا من فائدته.

وفي هذا المعنى يتجلى وجهٌ من وجوه الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]. فالآية في سياقها تتعلق بالنهي عن الاعتداء وأكل الأموال بالباطل وقتل النفس، غير أن معناها العام يقرر حرمة إهلاك الإنسان لنفسه، ويدخل في ذلك كل سلوكٍ يقود إلى إضعاف البدن وإتلافه متى علم الإنسان ضرره وأصر عليه. وليس معنى هذا أن كل خطأٍ غذائي قتلٌ للنفس، ولا أن الإنسان يُحمَّل فوق طاقته، ولكن المعنى أن الشريعة لا ترضى للإنسان أن يسلك بإرادته طريق الهلاك، ثم يسمي ذلك عادةً أو متعةً أو كرمًا أو ضيافة.

واللافت أن بعض الناس قد يأكلون كثيرًا ومع ذلك لا يتغذون جيدًا.  بل يتضررون ، فامتلاء البطن لا يعني حصول الجسد على حاجته. قد يمتلئ الإنسان بالخبز الأبيض والسكر الأبيض والزيت والشاي المحلى، ثم يبقى جسده محتاجًا إلى المعادن والفيتامينات والألياف والبروتين الجيد والماء الكافي. وقد يأكل الطفل حتى يشبع، لكنه لا يجد في طعامه ما يكفي لبناء العظم والدم والدماغ والمناعة. وقد يأكل الكبير وجباتٍ دسمة، ثم يظل يشعر بالخمول لأن الطعام ثقيل وفقير في قيمته الحقيقية. وهنا يظهر الفرق بين الطعام الذي يملأ، والطعام الذي يبني.

وفي القرآن الكريم فرقانٌ دقيق بين مجرد الرزق وبين الرزق الطيب، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]. فالطيبات هي الرزق الأمثل للصحة، وفساد الناس لا يأتي من الطيبات في أصلها، وإنما من سوء التعامل معها: إما بتحريم ما أحل الله منها، أو بالإسراف فيها، أو بتقديم الرديء الضار على الطيب النافع، أو بإفساد الطعام النافع بكثرة الإضافات والعادات التي تخرجه من الاعتدال إلى الضرر.

وفي واقعنا المحلي، تتضاعف المشكلة حين يجتمع الفقر مع العادة الخاطئة. فبعض الأسر لا تملك تنوعًا كبيرًا في الطعام، وهذا أمر مفهوم ومقدّر، لكن حتى داخل الإمكان المحدود يمكن تحسين الاختيار. فالفول والعدس واللوبيا والويكة والخضروات الموسمية والسمسم والفول السوداني واللبن والذرة والدخن والتمر أطعمة ذات قيمة كبيرة إذا أُحسن استعمالها، غير أن الضرر يدخل حين تتحول الوجبة إلى نشويات كثيرة وزيتٍ كثير وملحٍ مفرط، مع إهمال الخضرة والماء، أو حين يصبح الشاي المحلى بديلًا دائمًا عن التغذية الرشيدة. إن المشكلة ليست دائمًا في غياب الطعام النافع، بل أحيانًا في غياب الفهم الذي يرتب النافع المتاح.

ومما زاد الأمر سوءًا أن الإعلانات الحديثة صارت تصنع رغبات الناس أكثر مما ترشدهم. فالطفل لا يطلب ما ينفعه، بل ما يراه في الإعلان، والكبير لا يختار دائمًا ما يحتاجه جسده، بل ما يلمع أمامه في السوق. وقد أصبح الطعم القوي، واللون الجذاب، والرائحة الصناعية، والتغليف اللامع، وسرعة التحضير، كلها عوامل تنافس الطعام الطبيعي البسيط. وهكذا يجد الطعام الصحي نفسه في معركة غير عادلة مع صناعة ضخمة تعرف كيف تخاطب الشهوة قبل أن يخاطب الوعيُ العقل.

وقد نبّه القرآن إلى هذا المعنى العام حين ذمَّ اتباع الهوى إذا صار قائدًا للإنسان، فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. والهوى لا يكون في العقائد الكبرى وحدها، بل يظهر أثره في السلوك اليومي كله، ومنه الطعام والشراب والإنفاق والاستهلاك. فإذا صار ذوق اللسان هو الحاكم المطلق، وصار الإعلان أقوى من العقل، وصارت الشهوة أسبق من المصلحة، فقد فقد الإنسان شيئًا عظيمًا من حريته الحقيقية، وإن ظن أنه يختار ما يشاء.

ومن الأسباب المهمة أيضًا أن الإنسان صار أقل حركة من أجيالٍ سابقة. كان كثير من الناس يمشون، ويزرعون، ويرعون، ويحملون، ويعملون بأجسادهم، فتكون حاجتهم إلى الطعام وحرقهم له أقرب إلى التوازن. أما اليوم فقد يجلس الإنسان ساعات طويلة، وينتقل بالمركبة، ويعمل بحركة قليلة، ثم يأكل كأنه بذل جهدًا عظيمًا. فإذا اجتمعت قلة الحركة مع كثرة الطعام، حتى إن كان طيبا ناهيك عن كونه رديئا كان الجسد كمن يستقبل الواردات كل يوم ولا يصرف منها إلا القليل، فتتراكم الفوائض في شكل وزنٍ ودهونٍ ومشكلات صحية متلاحقة.

ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن كل طعام قديم صحيح، ولا أن كل طعام حديث ضار. فبعض العادات القديمة كان فيها إفراط في الملح والسكر أو الدهن أو قلة تنوع، وبعض الوسائل الحديثة، وإن قلّت، قد تساعد على حفظ الطعام وتحسين النظافة وتوفير خيارات أفضل. القضية ليست صراعًا بين قديم وجديد، بل بين وعي وغفلة. فقد يأكل الإنسان طعامًا تقليديًا بطريقة خاطئة فيمرض، وقد يستخدم وسيلة حديثة بطريقة رشيدة فينتفع. الميزان الحقيقي هو: ماذا يدخل إلى الجسد؟ وكم يدخل؟ وكم مرة يتكرر؟ وما أثره مع الزمن؟
إن كثرة الأمراض مع كثرة الطعام تعلمنا أن الوفرة وحدها لا تكفي. فالأمم لا تصح أجسادها بمجرد امتلاء الأسواق، ولا الأسر تطمئن إلى صحة أبنائها بمجرد امتلاء الصحون، ولا الإنسان يحفظ عافيته بمجرد قدرته على شراء ما يشتهي. الصحة تحتاج إلى معرفة، وإلى ضبط، وإلى تربية ذوقٍ جديد لا يجعل اللذيذ دائمًا فوق المفيد، ولا يجعل الشبع الثقيل علامة كرمٍ أو رضا.

وقد كان من هدي الإسلام أنه جعل الإنسان مسؤولًا عن نعمته لا مسترسلًا فيها بلا حساب. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. ومن النعيم الطعام والشراب والعافية والقدرة على الاختيار. والسؤال عن النعيم ليس دعوةً إلى كراهية النعمة، بل دعوة إلى شكرها وحسن استعمالها. فمن شكر الطعام ألا يُهدر، ومن شكر الشراب ألا يُفسد به البدن، ومن شكر العافية ألا تُستنزف في عاداتٍ يعرف الإنسان ضررها ثم يستسلم لها.

وهنا تبدأ المسؤولية من البيت. فالبيت الذي يعلّم الطفل شرب الماء بدل الإدمان على المشروبات المحلاة، ويعوّده الخضرة مع الطعام، ويخفف السكر في الشاي تدريجيًا، ويقلل المقليات، ويحترم الوجبة البسيطة المتوازنة، إنما يبني صحةً لا تظهر ثمرتها في يومٍ واحد، لكنها تظهر في العمر كله. والبيت الذي يجعل الحلوى والمشروبات الصناعية عادةً يوميةً لا مناسبةً عارضة، يضع بذرة مرضٍ قد لا تُرى اليوم، لكنها قد تكبر غدًا.

ولا بد من الاعتراف بأن تغيير عادات الطعام ليس سهلًا؛ لأن الطعام مرتبط بالذوق والذكريات والضيافة والعادات الاجتماعية. لكن الصعوبة لا تعني الاستحالة. يمكن أن يبدأ التصحيح بالتدرج: ملعقة سكر أقل، كمية زيت أقل، ملح أقل، ماء أكثر، خضرة يومية ولو قليلة، بقوليات أكثر، مشروبات صناعية أقل، مشيٌ أو حركةٌ منتظمة، ووعي بأن الطعام الذي يدخل كل يوم أخطر من الطعام الذي نأكله مرةً في مناسبة.

إن السؤال: لماذا كثرت الأمراض مع كثرة الطعام؟ جوابه في جملة واحدة: لأن الطعام كثر، لكن الوعي لم يكثر معه بالقدر نفسه. كثر المعروض، وقلت البساطة. كثر الطعم، وضعفت القيمة. كثر الشبع، وغاب التوازن. كثر الجلوس، وقلّت الحركة. كثر السكر والملح والزيت، وقلت الخضرة والماء والألياف. وحين تختل هذه المعادلة، يصبح الغذاء الذي خُلق ليحفظ الصحة بابًا من أبواب المرض.

ولذلك فإن الطريق لا يبدأ بالخوف من الطعام، بل بإعادة ترتيب علاقتنا به. نأكل لنقوى لا لنثقل، ونشرب لنرتوي لا لنزيد السكر في الدم، ونطهو لنحفظ النعمة لا لنغرقها في الزيت والملح، ونشتري بعقلٍ لا بإغراء الإعلان، ونطعم أطفالنا بما يبنيهم لا بما يسكت طلبهم ساعةً ويفسد صحتهم سنين. فإذا فهمنا هذا، أدركنا أن وفرة الطعام لا تكون نعمة كاملة إلا حين تصحبها حكمة الاختيار، وأن المائدة قد تكون بابًا للعافية أو بدايةً طويلةً للمرض، بحسب ما نضع عليها، وبحسب ما نكرره كل يوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى