كنز البحر الأحمر السوداني (11 من 13): حين يصل عائد السائح إلى المزارع والصياد والعامل
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

ليس المهم فقط كم سائحًا يأتي إلى البحر الأحمر، ولا كم يدفع في الفندق، بل:
كم من هذا الإنفاق يبقى داخل السودان، وإلى كم سوداني يصل؟
فقد يستقبل بلدٌ أعدادًا كبيرة من السياح، بينما يخرج جانب معتبر من إنفاقهم مرة أخرى إلى الخارج في ثمن الغذاء والمعدات والوقود والخدمات المستوردة، وأجور الشركات الأجنبية وتحويل أرباحها. ويعرف الاقتصاد السياحي هذا بخروج أو تسرّب جزء من العائد السياحي إلى الخارج.
ولا يمكن منع ذلك كله، ولا ينبغي أن يكون الهدف منعه؛ فالسياحة العالمية تحتاج إلى سلع وخبرات وتقنيات واستثمارات أجنبية. لكن النجاح الحقيقي هو أن نزيد، كلما أمكن اقتصاديًا، القيمة التي تبقى وتدور داخل السودان.
وهنا تبدأ الصلة بين المنتجع والمزارع.
فالمنتجع يحتاج يوميًا إلى الخضر والفواكه واللحوم والألبان والبيض والخبز والعصائر وغيرها. وإذا استطاع المنتج السوداني توفيرها بالجودة والكمية والسعر والاستمرارية المطلوبة، يصبح الفندق سوقًا مستقرًا للإنتاج المحلي بدل أن يكون جزيرة استهلاكية تعتمد في معظم احتياجاتها على الخارج.
والأمر نفسه بالنسبة إلى الصياد. فوجود منتجعات راقية يخلق سوقًا للأسماك والمأكولات البحرية، لكن ذلك لا يعني زيادة الصيد بلا ضابط؛ إذ ينبغي أن تكون الكميات والأنواع وطرق الصيد متوافقة مع حالة المخزون السمكي وحماية البيئة البحرية. فلا معنى لأن نكسب من السائح اليوم بإفقار البحر الذي نريد أن نعيش منه غدًا.
ثم تأتي الصناعة والخدمات: الأثاث والمنسوجات والمنتجات الغذائية ومواد النظافة والصيانة والنقل والقوارب والحرف والهدايا وغيرها. وكل سلعة أو خدمة يستطيع الاقتصاد السوداني إنتاجها بكفاءة تحول جزءًا من الإنفاق السياحي إلى طلب على نشاط اقتصادي آخر.
لكن كلمة «محلي» وحدها لا تكفي.
فلا ينبغي أن نفرض على الفندق شراء منتج رديء أو أغلى لمجرد أنه سوداني؛ لأن ذلك يضعف جودة الوجهة كلها. المطلوب أن نساعد المورد السوداني على الوصول إلى المواصفات التي تجعله الخيار الطبيعي: جودة ثابتة، وسعر منافس، وتسليم في الموعد، وسلامة صحية، وقدرة على توفير الكميات المطلوبة.
فالهدف ليس حماية المنتج المحلي من المنافسة، بل تمكينه من المنافسة.
ومن هنا يمكن أن تنشأ حول السياحة برامج لتطوير الموردين المحليين: تدريب المزارعين والمنتجين، وتنظيم التعاقدات، وتحسين التعبئة والتبريد والنقل والتخزين، وربط المشروعات الصغيرة باحتياجات الفنادق والمنتجعات.
ثم يأتي العمل.
فالمنتجع لا يحتاج إلى موظفي استقبال فقط؛ بل إلى مديرين وطهاة وفنيين ومرشدين ومدربي غوص وقادة قوارب وعمال صيانة وتقنيين ومسوقين ومحاسبين وغيرهم. وكلما ارتفعت مهارات السودانيين، أمكن أن ينتقلوا من الوظائف البسيطة إلى الوظائف الفنية والإدارية الأعلى دخلًا.
ولهذا لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد «سودنة الوظائف» بالأرقام، وإنما سودنة المهارات والقيمة؛ أي أن يصبح السوداني قادرًا بمرور الوقت على شغل الوظائف الأعلى مهارة ومسؤولية وأجرًا.
والمجتمعات القريبة من المواقع السياحية يجب ألا ترى المنتجع جسمًا غريبًا أقيم بجوارها. ويمكن أن تدخل في الاقتصاد السياحي عبر النقل والإرشاد والصيد المنظم والحرف والطعام والزراعة والخدمات والمشروعات الصغيرة، وفق طبيعة كل منطقة.
ويمكن للعقود والسياسات الاستثمارية أن تضع أهدافًا متدرجة للمشتريات المحلية والتدريب والتوظيف، ولكن وفق ما يستطيع السوق توفيره فعلًا، مع مراجعتها كلما نمت القدرات المحلية؛ حتى لا تتحول النسب إلى أرقام ورقية أو إلى تكلفة تضر بالمشروع.
وهنا يظهر الفرق بين إيراد السياحة وأثرها الاقتصادي.
فالدولار الذي يدفعه السائح للفندق ليس كله ربحًا للفندق، وليس كله دخلًا للدولة. جزء منه أجور، وجزء مشتريات، وجزء ضرائب ورسوم، وجزء تشغيل وصيانة وتمويل، وقد يذهب بعضه إلى الخارج في الواردات والخدمات والأرباح.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم أنفق السائح؟
بل أيضًا: أين ذهب هذا الإنفاق بعد أن دفعه؟
ويمكن قياس النجاح بمؤشرات واضحة: متوسط إنفاق السائح، ومدة إقامته، ونسبة إشغال المنشآت، وحجم المشتريات المحلية، وعدد الوظائف ونوعيتها، وحصة الموردين السودانيين، وما يعود على المجتمعات المحيطة، إلى جانب رضا السائح واحتمال عودته أو توصيته بالوجهة.
وهنا تتميز السياحة اقتصاديًا بأنها تشبه التصدير داخل الوطن؛ فبدل أن نشحن السمك أو الطعام أو الحرف والخدمات إلى المستهلك في الخارج، يأتي المستهلك إلينا ويشتري جانبًا منها هنا، ثم يعود إلى بلده.
وكلما استطعنا أن نجعل الدولار الذي جاء مع السائح ينتقل من المنتجع إلى العامل والمزارع والصياد والحرفي والناقل والمورد، ثم يعاد إنفاقه داخل الاقتصاد، اتسعت دائرة المستفيدين من السياحة.
وعندها لا يعود المنتجع مشروعًا منعزلًا على شاطئ جميل، بل يصبح محركًا لسلسلة من الإنتاج والعمل والدخل.
لكن هذه السلسلة كلها تقوم في النهاية على أصل واحد: البحر نفسه.
فإذا استنزفنا أسماكه، وأفسدنا شعابه، ولوثنا مياهه، نكون قد دمرنا الأصل الذي يولد هذا الدخل.
ولهذا يأتي المقال القادم بإذن الله:
«نحمي البحر ليظل يدر الذهب»





