الكيلوغرام خطوة أولى… فلنُصلح سوق المكاييل والموازين كله
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

أكدت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس عدم استخدام «الرطل» في المعاملات التجارية، وأن الكيلوغرام هو معيار الوزن في السودان. وهي خطوة تستحق الترحيب؛ لا لأن الرطل في ذاته أصل المشكلة، وإنما لأن توحيد وحدة القياس يجعل السعر أوضح، والمقارنة أسهل، والحقوق أضبط.
لكن المأمول أن تكون هذه الخطوة بداية لإصلاح أشمل؛ فالمشكلة لا تقف عند الرطل والكيلوغرام، وإنما تمتد إلى سلع لا تزال تباع بوسائل تقديرية تجعل معرفة الكمية الحقيقية والسعر الفعلي والمقارنة بين العروض أكثر صعوبة.
ومن أوضح الأمثلة الحيوان الحي المعد للذبح؛ فكثير من الأغنام والأبقار والإبل يباع بالرأس، وتقدَّر قيمته بالنظر والخبرة والمساومة. ولا عيب في البيع بالرأس متى تراضى الطرفان، لكن إتاحة الوزن الحي بميزان تجاري معتمد في أسواق الماشية والمسالخ، وإظهار سعر الكيلو الحي حين يكون الوزن أساس التسعير، يجعلان المقارنة أوضح وأعدل. فالوزن لا يلغي أثر السلالة والعمر والجنس والحالة الجسمية وجودة الحيوان، وإنما يضيف إلى التقييم معيارًا موضوعيًا مهمًا؛ فإذا انتهى النظر والخبرة، مثلًا، إلى تقارب كبشين في الجودة والحالة وتقدير نسبة التصافي، بقي الوزن وسعر الكيلو عاملين حاسمين لمعرفة أيهما أقل كلفة فعلًا، بدل الاكتفاء بسعر الرأس.
وينطبق المبدأ نفسه على الخضر والفاكهة وغيرها حين تباع بـ«الكوم» أو بعبوات غير منضبطة؛ فقد يتساوى السعر وتختلف الكمية، فلا تعود المقارنة عادلة. أما إذا حُسمت الكمية بالوزن، بقي للمشتري بعد ذلك أن يفضّل كيلوغرامًا من الصنف نفسه بسعر أعلى إذا رأى أن جودته أفضل بوضوح؛ فالوزن يحسم المقارنة من جهة الكمية، ولا يلغي اختلاف القيمة بسبب الجودة.
وليس المقصود فرض الكيلوغرام على كل سلعة؛ فبعض المنتجات يناسبها البيع بالعدد أو الحزمة أو العبوة. المطلوب أن تكون وحدة البيع معلومة ومنضبطة، وأن تُبيَّن الكمية الصافية للسلع المعبأة، وأن يظهر سعر وحدة القياس متى كان ذلك لازمًا للمقارنة وحماية المتعاملين.
فالقياس التجاري من أسس انتظام السوق وعدالة التعامل، وهو جزء من البنية الأساسية للأسواق الحديثة، وتقوم عليه أنظمة حماية المستهلك والتجارة العادلة في الدول المتقدمة. ومن هنا يمكن أن يصبح الانتقال من الرطل إلى الكيلوغرام مدخلًا لإصلاح أوسع: توحيد وحدات القياس، واعتماد الموازين والتحقق منها دوريًا، وإظهار سعر الوحدة حيث يلزم، وتوفير موازين معتمدة للماشية في الأسواق والمسالخ، وضبط العبوات والحزم، وتقليص البيع بالتقدير غير المنضبط.
فالسوق العادل يقوم على وضوح المعاملة؛ أن يعرف البائع والمشتري ماذا بيع، وكم بيع، وبأي وحدة وبأي سعر، وأن تتاح المقارنة على أساس معلوم. وكلما أصبحت الكمية معلومة والقياس موثوقًا، ضاقت مساحة الغبن والتلاعب، واتسعت المنافسة والشفافية.
وإذا كانت البداية بالكيلوغرام بدل الرطل، فليكن الإصلاح أوسع: من اختلاف المكاييل إلى وحدة المعيار، ومن التقدير إلى القياس، ومن «الكوم» المجهول إلى الكمية المعلومة، ومن المساومة الغامضة إلى المقارنة على بيّنة.





