
ما يعيشه السودان اليوم من غلاء وشح في الوقود وتراجع في قيمة الجنيه واضطراب في الأسواق ليس أزمة عابرة، ولا صنعها قرار واحد أو مسؤول واحد، ولا يمكن علاجها بإجراء منفرد مهما بدا حاسمًا.
نحن أمام أزمة داخلية حادة، متراكمة ومتفاقمة، صنعتها اختلالات موروثة ظلت تتكرر لعقود: ضعف الإنتاج والصادرات، واختلال المالية العامة، وتراجع الثقة في المصارف، وعدم استقرار السياسات، وتعدد الرسوم والجبايات، وتعقيد التجارة والاستثمار، وضعف الحوكمة والرقمنة والقضاء والإدارة، ثم جاءت الحرب فدمرت جانبًا من القدرات الإنتاجية والبنية الأساسية، ووسعت الحاجة إلى الاستيراد والنقد الأجنبي.
وفوق ذلك كله جاءت أزمات عالمية زادت العبء: ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، واضطراب خطوط التجارة، وارتفاع أسعار الغذاء ومدخلات الإنتاج. لكن العالم لم يصنع أزمتنا الأساسية، وإنما جعل كلفة اختلالاتنا القديمة أشد وأسرع ظهورًا.
وقد ظللنا نكتب أن كثيرًا من المعالجات تطارد الأعراض أكثر مما تصل إلى الجذور. وكتبنا تحديدًا عن خطأ حظر الاستيراد قبل توفير البديل المحلي الكافي والمنافس، وتناولنا حظر بعض السلع ومنها الفول المصري، وقلنا إن منع السلعة لا ينتج بديلها محليًا، ولا يخفض تكلفة الإنتاج السوداني، ولا يزيد المعروض.
فإذا كان السوق يحتاج إلى كمية لا يوفرها الإنتاج المحلي، فإن الحظر يقلل العرض ويرفع السعر ويفتح أبواب الندرة والتهريب والسوق الموازية. والحماية الحقيقية للإنتاج الوطني تكون بخفض كلفته: الطاقة، والوقود، والتمويل، والمدخلات، والنقل، والجبايات، والتخزين، والإجراءات، واستقرار السياسات. عندها ينافس المنتج السوداني لأنه أفضل أو أرخص، لا لأن الدولة منعت غيره.
وكتبنا كذلك عن سوق الصرف الموازية، وقلنا إن علاجها لا يكون بمطاردة المتعاملين فيها مع إبقاء أسبابها، وإنما بنقلها من الظلام إلى النور؛ أي بناء سوق صرف رسمية حرة وشفافة ومنظمة، تنتقل إليها الكتلة الأكبر من العرض والطلب، فتكون هي مكان اكتشاف السعر والتداول.
ومع ذلك، فإن انخفاض قيمة الجنيه لن يتوقف بصورة مستدامة ما لم تُعالج الأزمة كلها بحزمة إصلاح متكاملة. فسوق الصرف الحرة تصلح آلية التداول، لكنها لا تصنع النقد الأجنبي من العدم، ولا تعوض ضعف الإنتاج والصادرات والعجز المالي وتراجع الاستثمار.
والأهم أن الإشكالية في حياة الناس ليست، في المقام الأول، مجرد أن يكون الدولار بألف أو عشرة آلاف أو أكثر، وإنما: هل يجد المواطن عملًا يقتات منه؟ وهل يحصل الموظف والعامل على دخل يكفي ضروريات حياته؟ وهل يستمر الإنتاج الذي يخلق الوظائف والدخول؟
فقد كان الجنيه السوداني في سنوات ما بعد الاستقلال قويًا، وبلغ لفترة طويلة نحو 2.87 دولار للجنيه الواحد، أي أن الدولار كان يساوي قرابة 35 قرشًا. أما اليوم فقد تدهورت قيمته بدرجة هائلة، حتى أصبح الدولار الواحد يعادل أكثر من عشرة ملايين جنيه بالقيمة الاسمية للجنيه الأصلي قبل إسقاط الأصفار. فما دام الجنيه قد هبط إلى هذا الحد، فلا شيء يمنع أن يواصل الهبوط مع الزمن إلى مائة مليون جنيه أو أكثر، ما دمنا نُبقي الأسباب نفسها ونسير على المنهج نفسه في معالجة الأعراض وترك الجذور.
وليس المقصود الحنين إلى رقم قديم، وإنما بيان أن الرقم وحده ليس القضية. فمعركة السودان الحقيقية ليست الدفاع عن رقم للجنيه بأي ثمن، وإنما بناء اقتصاد ينتج ويوظف ويرفع الدخول ويصدر ويجلب النقد الأجنبي. وعندها يتحسن الجنيه كنتيجة لتحسن الاقتصاد، لا بقرار إداري.
والأمر نفسه ينطبق على الوقود. فقد تقتضي الظروف الاستثنائية دعمًا موجهًا ومؤقتًا للمواصلات أو الزراعة أو الخدمات الحيوية، لكن تحويل الوقود إلى حصص وتصاديق دائمة وأسعار بعيدة عن التكلفة يخلق فروقًا تشجع التسرب والوساطة والسوق السوداء.
وكتبنا كذلك أن ارتفاع الدولار، على قسوته، قد يكون أقل ضررًا من إجراءات تخفضه ظاهريًا بينما توقف الإنتاج. فإذا أدى تقييد الاستيراد أو النقد الأجنبي إلى منع الوقود وقطع الغيار ومدخلات الزراعة والصناعة، فقد نخفض الطلب على الدولار مؤقتًا، لكننا نكون قد أوقفنا المزرعة والمصنع والنقل والتعدين والخدمات التي تنتج الدخل والصادرات والنقد الأجنبي.
فالناس لا يعيشون من انخفاض سعر الدولار في ذاته، وإنما من وجود عمل وإنتاج ودخل وسلع وخدمات.
ومما يتداوله البعض من مقترحات إنشاء مؤسسات أو شركات حكومية جديدة كلما ظهرت أزمة. وهنا ينبغي أن يكون المبدأ واضحًا: إنشاء كيان جديد ليس إصلاحًا في ذاته. فإذا كانت الوظيفة تؤديها جهة قائمة، فإن إضافة مؤسسة جديدة قد تزيد التداخل والكلفة والبيروقراطية.
والأصل أن تضع الدولة السياسة، وتنظم السوق، وتحمي المنافسة، وتراقب الالتزام، وتحصل الحقوق العامة، وتمنع الاحتكار والتلاعب. أما دخولها المباشر في النشاط التجاري فلا ينبغي أن يكون هو القاعدة، وإنما استثناء تبرره ضرورة محددة، وفي أضيق نطاق، ومن غير أن تجمع الجهة نفسها بين اللعب في السوق وتنظيمه.
أما التأميم الشامل واحتكار الدولة للإنتاج والتجارة فهو أخطر من ذلك؛ فقد أثبتت التجارب العالمية والمحلية أن تحويل الدولة إلى المحتكر العام للإنتاج والشراء والبيع والتسعير يضعف المنافسة والحوافز والكفاءة، ويزيد البيروقراطية وتضارب المصالح، ويفتح أبواب الفساد وسوء تخصيص الموارد، ويجعل خطأ الجهاز الحكومي خطأً يصيب السوق كله.
ومن أكثر الأفكار تداولًا أيضًا الدعوة إلى إنشاء جهة واحدة تحتكر أهم صادرات السودان ثم أهم وارداته. وتبدو الفكرة جذابة لأنها توحي بأن جمع النقد الأجنبي في يد الدولة سيجعلها أغنى، لكن ذلك لا يلزم اقتصاديًا.
فإذا صدر القطاع الخاص ذهبًا أو سمسمًا أو ماشية وعادت الحصيلة إلى الجهاز المصرفي، فقد دخل النقد الأجنبي إلى الاقتصاد بالفعل. وليس معنى نقل هذه التجارة إلى جهة حكومية أن الدولة ستحصل بالضرورة على موارد أكبر؛ بل قد يحدث العكس إذا أدى الاحتكار إلى انكماش الإنتاج والاستثمار والتجارة والمنافسة.
فالدولة تستطيع، من اقتصاد واسع ونشط، أن تحصل بصورة مستدامة على الضرائب والعوائد والرسوم القانونية من آلاف المنتجين والمصدرين والمستوردين والشركات والعاملين، فضلًا عما يولده هذا النشاط من وظائف ودخول واستثمارات جديدة. وهذه قاعدة إيرادية أوسع وأكثر استدامة من ربح احتكار عدد محدود من السلع.
فالهدف ليس أن تستحوذ الدولة على حصيلة النشاط، وإنما أن تجعل النشاط نفسه أكبر وأكثر إنتاجًا وانتشارًا، ثم تحصل حقوق المجتمع منه بكفاءة وعدالة.
المطلوب ليس أن تصبح الدولة أكبر مالك للدولار، وإنما أن يصبح الاقتصاد كله أكبر إنتاجًا للدولار.
لقد ظللنا نكرر المعالجات نفسها بأسماء مختلفة: أزمة فننشئ لجنة، أو مؤسسة، أو احتكارًا، أو حظرًا، أو تسعيرًا إداريًا، بينما تبقى البيئة التي أنتجت الأزمة على حالها.
ولهذا فالحل لا يكمن في قرار منع أو فتح وحده، ولا في شخص جديد، ولا في مؤسسة جديدة.
نحن نعاني أزمة بنيوية داخلية تراكمت عبر سنوات طويلة، ثم جاءت الحرب والصدمات العالمية فضاعفت حدتها.
ولا سبيل مستدامًا للخروج منها إلا بإصلاح البيئة كلها في حزمة واحدة تتحرك بالتوازي لا بالتتالي: قانون وقضاء، وحوكمة ورقمنة، ومالية عامة منضبطة، ونظام مصرفي موثوق، وسوق صرف رسمية حرة ومنظمة، وسياسات تجارة واستثمار مستقرة، ومنافسة، وإدارة مهنية، وطاقة ونقل ومدخلات تسمح للإنتاج بالاستمرار.
أما في المرحلة الحالية، وقبل أن تؤتي هذه الإصلاحات ثمارها، فإن الواجب الأول هو ألا نقتل ما بقي من النشاط الاقتصادي ونحن نحاول تخفيف الأزمة.
لا نوقف الوقود لأن الدولار مرتفع، ولا نمنع مدخلات الإنتاج لنخفض الواردات على الورق، ولا نحظر الغذاء قبل وجود البديل، ولا نثبت أسعارًا تجعل السلعة تختفي، ولا نحارب السوق الموازية من غير أن نبني سوقًا رسمية تتفوق عليها، ولا ننشئ احتكارًا جديدًا لعلاج اختلال قائم.
فآثار هذا الكبت والمنع قد تكون أسوأ بكثير من ارتفاع سعر الدولار نفسه؛ لأن انخفاض الدولار لا يفيد إذا توقف الوقود، وتعطلت الزراعة والصناعة والنقل والتعدين والخدمات، واختفت السلع وتقلصت فرص العمل والدخول. أما توافر الوقود ومدخلات الإنتاج والسلع واستمرار دورة النشاط الاقتصادي فهو أفضل بما لا يقارن، حتى لو تضاعف سعر الدولار وظل في صعود، لأن الاقتصاد الحي يستطيع أن ينتج ويشغّل ويولد الدخل والصادرات، أما الاقتصاد المخنوق فقد ينخفض فيه الدولار مؤقتًا بينما تتآكل معه أسباب العيش نفسها؛ فبدل أن يبقى الاقتصاد حيًا، ولو ضعيفًا وواهيًا وقابلًا للتعافي متى أصلحت بيئته، تؤدي سياسات الكبت والمنع إلى خنقه حتى يفقد قدرته على الإنتاج والتشغيل وتوليد الدخل، فيتحول العلاج من محاولة إنقاذ مريض ضعيف إلى القضاء على ما بقي فيه من حياة.
والسودان لن يحمي نفسه من أزمات العالم بإغلاق بابه، وإنما بأن يصبح أكثر إنتاجًا، وأقوى مؤسسات، وأوسع منافسة، وأقدر على التصدير، وأقل هدرًا، وأكثر ثقة واستقرارًا.
والبداية الصحيحة ليست أن نبحث كل يوم عن قرار جديد لإخماد اللهب في موضع، بل أن نبدأ أخيرًا في إزالة أسباب الحريق نفسها، رغم أننا تأخرنا كثيرًا؛ ومع كل تأخير يصبح العلاج أصعب وأعلى كلفة وأكثر إلحاحًا، ولكن لا مناص منه ولا خيار حقيقيًا سواه.





