د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك يكتب | مهد الحروف | وانتصرت إرادة المستهلك

إن محطات التاريخ المفصلية لا يقاس فيها عظمة القادة بصلاحياتهم المطلقة أو بتمسكهم بالقرارات لمجرد صدورها، انما تُقاس بقدرتهم الفائقة على الإنصات لنبض الشارع، وشجاعتهم في تصحيح المسار متى ما اقتضت مصلحة الوطن والمواطن ذلك. ومن هذا المنطلق، يأتي التوجيه الصادر عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن
عبد الفتاح البرهان، بإلغاء قرارات حظر استيراد عدد من السلع، وإعفاء السلع الأساسية من الرسوم الجمركية، ليشكل علامة فارقة وانتصاراً حقيقياً لحقوق المستهلك وإحقاقاً للحق.
لقد أثبتت التجربة الإنسانية على الدوام أن الاعتراف بالخطأ والعدول عنه لصالح المصلحة العامة ليس عيباً، بل هو عين الصواب والفضيلة الإدارية والقيادية. فالتشريعات والقرارات الاقتصادية وُضعت أصلاً لخدمة الإنسان وتوفير حياة كريمة
له، وحين تتعارض هذه القرارات مع غايتها الكبرى وتؤدي إلى تضييق الخناق على المعيشة، فإن التراجع عنها يصبح واجباً وطنياً لا محالة؛ إذ يعكس هذا القرار مرونة عالية في الإدارة وقراءة واعية لتداعيات القرارات على السوق المحلي.
ومما لا شك فيه أن حظر استيراد سلع بعينها يخلق بيئة خصبة لارتفاع الأسعار، ويقوض قواعد المنافسة العادلة، ويترك المستهلك رهينة لخيارات محدودة. ومع هذا التوجيه الحكيم القاضي بإلغاء حظر الاستيراد، وإعفاء الدقيق والأرز والبقوليات والفول والعدس وزيوت الطعام والخضروات والفواكه من الرسوم الجمركية، وفتح الباب أمام جميع
التجار والمستوردين، تتسع آفاق السوق لتوفير الاحتياجات الأساسية التي تمس المائدة اليومية لكل مستهلك بشكل مباشر، مما يسهم بفعالية في كسر الاحتكار وتحقيق استقرار ملحوظ في الأسواق.
إن هذه الخطوة الجريئة تمثل رسالة اطمئنان بالغة الأهمية تؤكد أن القيادة الحكيمة هي التي تضع كرامة المواطن ومعيشته فوق كل اعتبار، وتجعل من تلبية احتياجاته الأساسية البوصلة التي توجّه قراراتها السياسية والاقتصادية. وتبقى هذه القرارات انطلاقة حقيقية لسياسات اقتصادية مرنة ومستدامة تعزز من روح الشراكة والثقة بين الدولة والمجتمع، ليبقى الوطن دائماً هو الغاية والوسيلة.
mismawia@yahoo.com




