مقالات

حماية المستهلك .. معركة وعي وصون للحياة

همس البوادي| سعاد سلامة

ليست كل المؤسسات الوطنية التي تستحق الإشادة هي تلك التي تعلن عن مشروعاتها بالأرقام أو تتحدث عن إنجازاتها في المؤتمرات فهناك مؤسسات تخوض معارك يومية صامتة لحماية الإنسان من مخاطر قد لا يراها بعينه لكنها تتسلل إلى تفاصيل حياته وتهدد صحته وسلامته. ومن بين هذه المؤسسات تبرز الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس وهي تضطلع بمسؤولية وطنية تتجاوز حدود الرقابة الفنية لتصل إلى صميم الأمن الصحي والغذائي وحماية حق المواطن في حياة آمنة وكريمة.

ويأتي البرنامج التوعوي الذي تنفذه الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بشأن مخاطر أواني الطهي المصنوعة محليا من الألمنيوم المعاد تدويره وغير المطابق للمواصفات ليؤكد أن حماية المستهلك ليست شعارا يرفع بل مسؤولية تتطلب المواجهة والمكاشفة ونشر المعرفة بين المواطنين خصوصا عندما يتعلق الأمر بأدوات تلامس طعام الأسرة يوميا وتدخل المطابخ دون أن ينتبه كثيرون إلى ما قد تحمله من مخاطر.

إن خطورة هذه الأواني لا تكمن في شكلها الخارجي أو انخفاض أسعارها فحسب وإنما في احتمال تصنيع بعضها من خردة ومعادن مجهولة المصدر دون إخضاعها للفحوص والاشتراطات الفنية اللازمة الأمر الذي قد يجعلها مصدرا محتملا لانتقال الرصاص والكادميوم وغيرهما من الملوثات المعدنية إلى الطعام بحسب طبيعة المواد المستخدمة وظروف التصنيع والاستعمال. وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد إناء للطهي لأنها ترتبط مباشرة بسلامة الغذاء وصحة الإنسان ومستقبل الأجيال.

إن الرسالة التي تحملها الهيئة في هذا البرنامج تستحق أن تجد طريقها إلى كل بيت فالمواطن الذي يشتري إناء رخيصا قد لا يعلم أنه يضع صحته وصحة أسرته أمام مخاطر لا تظهر آثارها بالضرورة في يوم أو أسبوع وإنما قد ترتبط بالتعرض المتكرر لبعض المعادن السامة على مدى طويل. ومن هنا تبرز أهمية التوعية المباشرة التي تضع الحقائق أمام الناس وتمنحهم القدرة على التمييز بين المنتج الآمن والمنتج الذي تحيط به الشكوك.

ولا تقف أهمية هذه المبادرة عند التحذير من احتمالات تلوث الطعام بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة استهلاكية جديدة تقوم على السؤال عن مصدر المنتج ومطابقته للمواصفات وعدم جعل السعر وحده معيارا للشراء. فليس كل ما يعرض في الأسواق صالحا للاستعمال وليس كل ما يبدو متينا أو لامعا دليلا على سلامته كما أن المظهر الخارجي لا يمكن أن يكون بديلا عن الفحص الفني والرقابة المختصة.

وتستحق الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس وشركاءها في الفريق الموحد لحماية المستهلك الإدارة العامة لمباحث التجارة والتموين وحماية المستهلك ونيابة حماية المستهلك والبيئة الصحة العامة الإشادة بهذا التوجه الذي يضع المواطن في قلب العملية الرقابية لأن المؤسسة التي تكتفي بضبط المخالفات بعد وقوعها لا تبلغ وحدها الغاية المنشودة بينما المؤسسة التي تذهب إلى المجتمع وتشرح المخاطر وتكشف الحقائق وتبني الوعي تساهم في الوقاية قبل وقوع الضرر وتمنح الرقابة بعدا إنسانيا ومجتمعيا بالغ الأهمية.

وفي تقديري فإن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تتمثل في إصدار تحذير عابر بل في فتح باب واسع أمام عمل مؤسسي مستمر يربط بين الرقابة والتوعية والفحص والمحاسبة. فالمطلوب أن تتكامل جهود الهيئة مع الجهات الصحية والرقابية والمحلية وأن تتواصل حملات التوعية في الأسواق والأحياء ووسائل الإعلام وأن تتاح للمواطن معلومات واضحة عن الأواني المطابقة للمواصفات وكيفية التعرف على المنتجات المشكوك في سلامتها.

كما أن التصدي لهذه الظاهرة يقتضي التعامل بحزم مع أي ممارسات تثبت مخالفتها للاشتراطات الفنية وتكثيف الفحوص على المنتجات المتداولة وتعزيز الرقابة على مصادر الخردة وعمليات التصنيع والتسويق. فحماية المستهلك لا تكتمل بالتحذير وحده وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تمنع وصول المنتجات الخطرة إلى الأسواق وتحفظ حقوق المستهلكين وتتيح لهم الإبلاغ عن المخالفات دون تردد.

وفي الوقت ذاته ينبغي ألا يتحول التحذير من الأواني غير المطابقة إلى حكم عام على جميع أواني الألمنيوم فالعبرة ليست باسم المعدن وحده وإنما بسلامة المواد المستخدمة وجودة التصنيع ومطابقة المنتج للمواصفات المعتمدة. وهذه الدقة في الرسالة التوعوية تزيد ثقة المواطن في المؤسسة وتجعله أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صحيحة بعيدا عن التهويل أو المعلومات غير الدقيقة.

إن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس تقدم بهذا البرنامج نموذجا لدور المؤسسة الوطنية التي تدرك أن المواصفة ليست حروفا فنية في أوراق رسمية بل ضمانة لسلامة ما يأكله المواطن وما يشربه وما يستخدمه في حياته اليومية. وكلما اقتربت المؤسسة من الناس ازدادت قدرتها على أداء رسالتها وكلما تحولت المعرفة إلى سلوك مجتمعي تراجعت فرص الضرر واتسعت دائرة الحماية.

ومن المهم أن تحظى مثل هذه المبادرات بإسناد إعلامي واسع لأن الرسالة التي تنقذ صحة أسرة واحدة تستحق أن تصل إلى آلاف الأسر والتحذير الذي يمنع تداول منتج غير آمن قد يجنب المجتمع أعباء صحية واقتصادية كبيرة. وهنا تتجلى مسؤولية الإعلام في نقل المعلومات الموثوقة وتبسيط الرسائل الفنية ومساندة المؤسسات التي تعمل من أجل سلامة المواطن دون مبالغة أو إثارة للذعر.

إن الإشادة بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس ليست مجاملة عابرة وإنما تقدير لدور وطني يستحق أن يتواصل ويتطور وتأكيد على أن حماية المستهلك تبدأ من معلومة صحيحة وتتقدم برقابة فاعلة وتكتمل بمحاسبة المخالفين وترسيخ ثقافة احترام المواصفات في الأسواق والمصانع والبيوت.

 فاصلة 
صحة المواطن ليست مجالا للتجريب ومائدة الأسرة السودانية ليست ساحة للمخاطرة وسلامة الغذاء ليست قضية قابلة للتهاون أو التأجيل. وكل إناء غير مطابق للمواصفات قد يفتح بابا لخطر لا يعرفه مستخدمه وكل حملة توعية صادقة قد تغلق هذا الباب قبل أن يقع الضرر. ومن هنا نقول للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس واصلوا طرق أبواب الوعي وشددوا الرقابة واجعلوا المواصفة خطا أحمر لا يتجاوزه المتلاعبون بصحة الناس فالمؤسسات تقاس بعظمة رسالتها وأعظم الرسائل أن تحمي حياة الإنسان قبل أن يصبح الضرر أمرا واقعا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى