مقالات

إشتياق الكناني تكتب : حين حلق صقر الجديان.. عاد السودان ليصنع الفرح

حين تتأمل صقر الجديان وهو يحلق عاليًا في السماء، تتساءل عن ذلك المجد الذي يحمله هذا الطائر، وعن سر المكانة التي جعلت منه رمزًا لوطن كامل.

صقر الجديان، أو طائر السكرتير، هو الطائر الوطني للسودان. طائر شامخ طويل القامة، يصل ارتفاعه إلى نحو متر وثلاثين سنتيمترًا، بساقين طويلتين تساعدانه على قطع مسافات واسعة في السهول، وريش رمادي تتخلله أجنحة سوداء وذيل طويل، بينما تنتصب خلف رأسه ريشات تشبه أقلام الكاتب، ومنها جاءت تسميته الشائعة.

هو طائر لا يعرف التراجع؛ يمشي في السهول بحثًا عن فريسته، ويراقبها بعين حادة، ثم ينقض عليها بركلات سريعة وقوية. يفترس الثعابين والقوارض والسحالي والحشرات، ويعيش في السافانا والأراضي العشبية المفتوحة، ويبني أعشاشه فوق الأشجار.

ولأن فيه من القوة واليقظة والشموخ ما يشبه روح هذا الوطن، أصبح صقر الجديان رمزًا للسودان.

واليوم، عاد صقر الجديان ليحلق من جديد، ولكن هذه المرة في سماء كرة القدم الأفريقية.

عاد أبطال السودان، صقور الجديان الشباب، ليصنعوا فرحة طال انتظارها، ويتوجوا المنتخب الوطني تحت سن العشرين بكأس بطولة شرق ووسط أفريقيا «سيكافا»، بعد مباراة مثيرة أمام تنزانيا حُسمت بضربات الترجيح.

يا لها من فرحة!

فرحة لم تكن مجرد كأس تُرفع، ولا مباراة تُحسم، بل كانت لحظة شعر فيها السودانيون أن علم بلادهم ما زال قادرًا على أن يرتفع عاليًا، وأن اسم السودان يستطيع أن يصدح في المحافل الأفريقية، وأن الفرح يمكن أن يجد طريقه إلى قلوبنا رغم كل ما مررنا به.

في كل ركلة، وفي كل جهد، وفي كل عرق سال على أرض الملعب، كان هناك سودان آخر يطل علينا؛ سودان يحب الحياة، ويعرف كيف يقاتل من أجل حلمه، وكيف يحول المستحيل إلى فرحة.

صقور الجديان لم يحملوا الكأس وحدهم، بل حملوا معهم أحلام شعب يتوق إلى الفرح، وأمنيات أمهات وآباء وأطفال وشباب تابعوا المباراة وقلوبهم معلقة بالعلم السوداني.

فشكرًا للقدال، وأسامة، وحميدة، وأحمد، وسمعان، ويحيى، ومعتز، ووائل، وأوبي، وتبو، وتية، ورضوان، ولكل أبطال صقور الجديان الذين أعادوا للكرة السودانية بريقها، وللجمهور السوداني فرحته.

شكرًا لكم لأنكم جعلتمونا نهتف من القلب: السودان بطل.

وفي وطنٍ أتعبته الحرب وأثقلته الأيام، تصبح مثل هذه اللحظات أكثر من مجرد انتصار رياضي؛ تصبح نافذة يدخل منها الضوء، ومساحة صغيرة نتنفس فيها الفرح، وذكرى جميلة تقول لنا إن السودان، مهما اشتدت عليه الأيام، لا يزال قادرًا على صناعة المجد.

عاد صقر الجديان ليحلق في سماء أفريقيا، ويمد جناحيه عاليًا، ويرفع رأسه نحو السماء.

يحلق بعرق لاعبيه، وعزيمتهم، وإصرارهم، وبقلوب سودانية لم تتعلم الاستسلام.

مرة أخرى، يمد السودان يده لأبنائه بالفرح، ويمنحهم لحظة ينسون فيها تعب الأيام، ويهتف فيها الجميع بصوت واحد:

هذا السودان الذي نحب.. ما زال هنا.

وما أجمل أن يعود اسم السودان إلى الواجهة، لا بالحزن، ولا بالأخبار المؤلمة، وإنما بكأس يرفعها أبناؤه، وبعلم يرفرف، وبفرحة تعبر الحدود.

فحلّق يا صقر الجديان..

حلّق عاليًا كما يليق بالسودان.

واجعل جناحيك يحملان فرح شعبٍ يستحق الفرح، وأمل شعبٍ لا يريد إلا أن يرى وطنه آمنًا، شامخًا، مزدهرًا، حاضرًا في كل المحافل.

حلّق يا صقر الجديان.. فالسودان يستحق أن يفرح.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى