كنز البحر الأحمر السوداني (8 من 13): لا نبيع الجزر… نجعلها أصولًا تدر الدخل
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

إذا كانت لدينا جزيرة أو قطعة ساحلية نادرة تصلح لمنتجع عالمي، فإن السؤال ليس فقط: كم يدفع المستثمر مقابلها؟ بل الأهم:
كيف نجعل هذا الأصل يدر دخلًا للسودان عامًا بعد عام، من غير أن نفقد ملكيته أو نفسد قيمته؟
وهنا ينبغي أن نفرق بين بيع الأصل وبين منح حق استثماره لمدة محددة.
فالبيع يعطي الدولة مبلغًا مرة واحدة ثم تنتقل ملكية الأصل، أما الإيجار أو حق الانتفاع طويل الأجل فيُبقي الملكية للدولة، ويمنح المستثمر مدة كافية ليسترد استثماره ويربح، ثم يعود الأصل وما أُقيم عليه وفق شروط العقد.
والمالديف تقدم مثالًا مهمًا في هذا الباب؛ فالحكومة تطرح جزرًا ومواقع سياحية عبر منافسات لتأجيرها وتطوير
المنتجعات وتشغيلها وإدارتها، بدل أن يكون الأصل الطبيعي مجرد أرض تباع وتنتهي العلاقة بها. وما زالت وزارة السياحة المالديفية تطرح في 2026 فرصًا بهذا النموذج.
وهذا لا يعني نسخ شروط المالديف، وإنما الاستفادة من المبدأ:
الأصل النادر لا ينبغي أن يحقق للدولة عائدًا مرة واحدة إذا كان قادرًا على إنتاج العائد لعقود.
ولذلك يمكن للسودان أن يحتفظ بملكية الجزر والأراضي الساحلية المخصصة للسياحة، ويطرح حق تطويرها وتشغيلها بعقود واضحة ومحددة المدة، عبر منافسة علنية بين المستثمرين.
ولا ينبغي أن يفوز بالفرصة بالضرورة من يعرض أكبر مبلغ مقدم فقط؛ فالعرض الأفضل هو الذي يجمع بين القدرة المالية والخبرة التشغيلية وجودة المشروع وسرعة التنفيذ وحماية البيئة ومقدار العائد الذي يبقى للاقتصاد السوداني.
فقد يعرض مستثمر مبلغًا كبيرًا للحصول على الموقع ثم يعجز عن تطويره، أو يحتفظ به سنوات انتظارًا لارتفاع قيمته. ولهذا يجب أن ترتبط العقود ببرنامج زمني ملزم: متى يبدأ التمويل؟ ومتى يبدأ البناء؟ ومتى يفتح المنتجع؟ وما الجزاء إذا لم ينفذ؟
لا نريد مستثمرًا يحجز الجزيرة؛ نريد مستثمرًا يشغلها.
كما ينبغي التفريق بين المستثمر الذي يمول المشروع وبين الشركة المتخصصة التي تدير المنتجع. فقد يمتلك المشروع صندوق استثماري أو شركة، بينما تتولى تشغيله علامة فندقية عالمية ذات خبرة، وهذا قد يكون أجدى من اشتراط أن يجمع طرف واحد التمويل والإدارة والخبرة السياحية كلها.
وعائد الدولة لا يلزم أن يكون بندًا واحدًا. يمكن أن يتكون ـ وفق ما تثبته الدراسة والعقد ـ من مقابل حق الانتفاع أو الإيجار، ورسوم وضرائب على النشاط والأرباح، ورسوم بيئية، إضافة إلى ما يولده المشروع من وظائف ومشتريات محلية وخدمات ونشاط اقتصادي حوله.
وتفيد تجربة المالديف هنا أيضًا في أن الدولة لا تعتمد على مقابل تأجير الموقع وحده؛ فهناك أدوات مالية مرتبطة بالنشاط السياحي نفسه. ومن أمثلتها الضريبة الخضراء التي تبلغ منذ يناير 2025 اثني عشر دولارًا عن كل يوم إقامة للسائح في المنتجعات ومعظم المنشآت السياحية، مع معدل أقل لبعض الفنادق وبيوت الضيافة الصغيرة في الجزر المأهولة، وإعفاء الأطفال دون الثانية.
ولا نقول إن السودان ينبغي أن ينسخ هذه الضريبة أو قيمتها، بل إن المبدأ يستحق الدراسة: حين يحقق الأصل الطبيعي دخلًا سياحيًا، يمكن تخصيص جزء معلوم من هذا النشاط لصيانة البيئة التي تولد الدخل نفسه.
كما يجب ألا يسمح العقد ببيع حق الاستثمار أو نقله إلى طرف آخر بلا رقابة الدولة؛ لأننا قد نختار مستثمرًا لخبرته وملاءته ثم نجد الموقع بعد سنوات في يد طرف لم نختره. ولهذا ينبغي ضبط التنازل عن الحقوق، وتغيير السيطرة على الشركة، والرهن والتمويل وإعادة الهيكلة.
ويجب كذلك أن يحدد العقد منذ البداية ما يحدث عند انتهائه: ما الذي يعود للدولة؟ وما حالة المنشآت المطلوبة عند التسليم؟ ومن يتحمل إزالة ما لا يصلح؟ وكيف يعاد تأهيل الموقع إذا حدث ضرر بيئي؟
فالعقد الجيد لا ينظم الدخول إلى المشروع فقط، بل الخروج منه أيضًا.
ولا يعني طرح المواقع للاستثمار أن كل جزيرة أو شاطئ يجب أن يدخل السوق. فكما بينا من قبل، هناك مواقع قد تكون قيمتها الكبرى في بقائها محمية، وأخرى تصلح للزيارة أو الغوص فقط، وأخرى يمكن تطويرها بكثافة منخفضة، ثم مواقع أصلح للمنتجعات.
ومن هنا نحتاج إلى نافذة مؤسسية واحدة تضع أمام المستثمر خريطة واضحة: هذه المواقع متاحة، وهذه شروطها، وهذه المحظورات البيئية، وهذه مدة الحق الاستثماري، وهذه الرسوم والضرائب، وهذه إجراءات الترخيص، وهذه المواعيد التي تلتزم بها الدولة والمستثمر.
فالاستثمار لا يحتاج فقط إلى أرض جميلة؛ بل إلى عقد يحمي الدولة والمستثمر معًا، وقانون مستقر، وإجراءات واضحة، وقضاء نافذ.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا الملف بسيطة:
لا نبيع الأصل لنحصل على المال، بل نحسن إدارة الأصل ليولد المال باستمرار.
فالجزيرة التي تباع مرة واحدة تنتهي قيمتها المالية المباشرة للدولة عند البيع، أما الجزيرة التي تبقى ملكًا عامًا وتستثمر بعقد جيد، فقد تعمل وتوظف وتشتري وتدفع الرسوم والعوائد لعقود، ثم تبقى في النهاية جزءًا من ثروة السودان.
لكن العقد وحده لا يصنع وجهة سياحية ناجحة.
فحتى لو وجد المستثمر والجزيرة والمنتجع، يبقى السؤال: كيف يصل السائح من بلده إلى غرفته بسهولة وأمان؟
وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«من الطائرة إلى الفيلا… السياحة منظومة لا فندقًا»





