مقالات

كنز البحر الأحمر السوداني (6 من 13): من الأسرة إلى الغوص… من هو سائحنا؟

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

بعد أن حددنا هوية المنتج السياحي الذي نقترحه للبحر الأحمر السوداني، يأتي السؤال الذي يسبق الاستثمار:
لمن نبني هذه المنتجعات؟
الخطأ أن نقول إننا نستهدف «كل السياح». فلا توجد وجهة تناسب الجميع بالدرجة نفسها، ولا ينبغي للسودان، وهو يؤسس صناعة جديدة، أن يبدد موارده في محاولة إرضاء كل الأسواق. المطلوب أن نعرف من هو السائح الأكثر ملاءمة لما نملك، والأيسر وصولًا، والأكثر استعدادًا للإنفاق على التجربة التي نقدمها.
ومن الأسواق المنطقية للاختبار والاستهداف الأولي الأسر الخليجية والعربية؛ فالقرب الجغرافي النسبي، إلى جانب البحر والخصوصية والطعام الحلال والهدوء والرفاهية، يمكن أن يجعل المنتج السوداني ملائمًا لهذه الشريحة إذا توافرت سهولة الوصول والخدمة الراقية والتسويق الجيد.

وهناك سوق أوسع للمسافرين المسلمين عالميًا. فوفق مؤشر السفر الإسلامي العالمي Mastercard-CrescentRating لعام 2026، بلغ عدد مرات الوصول الدولي للمسافرين المسلمين نحو 196 مليونًا في 2025، ويتوقع أن تبلغ 262 مليونًا بحلول 2030، مع إنفاق سنوي مقدر بنحو 310 مليارات دولار. وهذه أرقام للسوق العالمية وتوقعاتها، وليست تقديرًا لما سيحصل عليه السودان منها؛ فنصيبه تحدده قدرته على المنافسة.
ويضع المؤشر نفسه السودان في المرتبة 27 من بين 150 وجهة، بدرجة عامة بلغت 58 من 100. وهو يقيس ملاءمة الوجهة للمسافر المسلم عبر أربعة محاور؛ سجل السودان 66 في الخدمات، التي تشمل توافر احتياجات مثل الطعام الحلال ومرافق الصلاة، و43 في سهولة الوصول، و40 في التواصل وتوافر المعلومات المناسبة للمسافر، و46 في البيئة العامة المحيطة بالتجربة السياحية. وبذلك تشير الدرجات إلى أداء نسبي أفضل في الخدمات، وأضعف في المحاور الثلاثة الأخرى. وهي لا تقيس جمال السودان الطبيعي، ولا تمثل تقييمًا شاملًا لصناعة السياحة فيه، وإنما تقيس جوانب محددة من ملاءمة الوجهة للمسافر المسلم وفق منهج المؤشر.

وتأتي كذلك شريحة الباحثين عن الخصوصية؛ فالفيلات والمسابح الخاصة والشواطئ الهادئة والرحلات البحرية الخاصة يمكن أن تجعل الخصوصية نفسها جزءًا من المنتج الفاخر مرتفع القيمة.
أما السوق التي يملك السودان لها أصلًا طبيعيًا استثنائيًا فهي الغوص. فقد بينا في المقالات السابقة القيمة العالمية لشعاب البحر الأحمر السوداني وحياته البحرية. والغواص المتخصص يسافر من أجل موقع متميز وتجربة غوص جيدة؛ ولذلك يمكن أن يكون الغوص من أبواب السودان المبكرة إلى السوق السياحية العالمية، بشرط تنظيم النشاط بما يحمي الشعاب التي جاء السائح من أجلها.
وإلى جانبه تأتي سياحة الطبيعة والحياة البحرية؛ فمشاهدة الشعاب والسلاحف والدلافين والطيور لا تقتصر على الغواص المحترف، بل تشمل السباحة السطحية بالقناع وأنبوب التنفس، والرحلات البحرية والتصوير ومراقبة الطيور ضمن برامج منضبطة.

وهناك العافية والاستجمام؛ فالهدوء والشمس والبحر والخصوصية تصلح لبرامج الراحة والرياضة والمشي والتدليك والطعام الصحي وتحسين نمط الحياة، من غير ادعاءات علاجية لا دليل عليها. فنحن نقدم العافية والاستجمام، لا وعودًا طبية.
وهناك أيضًا سائح المغامرة الذي يمكن أن يجمع البحر بالصحراء والجبال والمشي والتصوير ومراقبة النجوم والرياضات المائية. وهنا تظهر إحدى مزايا السودان المهمة: الرحلة يمكن أن تبدأ من البحر ولا تنتهي عنده.
أما السائح غير المسلم فلا نخاطبه باعتذار عن هوية الوجهة، ولا نفترض أنه سيقبلها حتمًا. نعرض المنتج وقواعده بوضوح؛ فمن تناسبه تجربة أخرى فله وجهات أخرى، ومن يبحث عن البحر والغوص والطبيعة والخصوصية والهدوء والخدمة الممتازة قد يجد في السودان ما يستحق الرحلة.
فالناس لا يسافرون جميعًا للأسباب نفسها.

ومن هنا تأتي قاعدة اقتصادية مهمة: لا نحتاج في البداية إلى أكبر عدد من السياح، بل إلى السياح الأنسب والأعلى قيمة للوجهة. فالوجهة الطبيعية الحساسة لا ينبغي أن تقيس نجاحها بالأعداد وحدها؛ وقد يكون عدد أقل يقيم مدة أطول وينفق أكثر أجدى من سياحة كثيفة منخفضة الإنفاق تضغط على البيئة والبنية الأساسية.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: كم سائحًا جاء؟ بل أيضًا: كم أنفق؟ وكم ليلة أقام؟ وما نسبة إشغال المنتجعات؟ وكم بقي من إنفاقه في الاقتصاد المحلي؟ وهل رضي عن التجربة وعاد أو أوصى بها؟
وعليه يمكن أن يبدأ السودان باختبار السوق الخليجية والعربية بالتوازي مع أسواق الغوص والطبيعة عالميًا، ثم يوجه الاستثمار والتسويق وفق ما تكشفه البيانات الفعلية عن الطلب والإنفاق ومدة الإقامة وسهولة الوصول، بدل أن نقرر مسبقًا من سيكون سائحنا الأكبر.

فلا يوجد «سائح واحد» نبني له البحر الأحمر كله. هناك الأسرة، والباحث عن الخصوصية، والغواص، ومحب الطبيعة، والباحث عن العافية، والمغامر، والمسلم وغير المسلم. والمطلوب منتجات مختلفة تحت هوية سودانية واحدة، لا أن نحشر الجميع في الفندق نفسه والبرنامج نفسه.
وحين نعرف من هو سائحنا وما الذي يريد شراءه، يظهر تحد آخر: كيف نشغل منتجعًا عالميًا في جزيرة أو شاطئ بعيد لا تصله شبكة كهرباء ولا مياه عذبة ولا صرف صحي؟
قد يبدو ذلك عائقًا، لكن تقنيات اليوم تجعل الشمس والبحر نفسيهما جزءًا من الحل.
وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله:
«الشمس والبحر… كيف تعمل جزيرة بلا شبكة؟»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى