ملتقى التنمية الاجتماعية.. حين يصبح الإنسان مشروع الدولة الأكبر في معركة التعافي وإعادة الإعمار
همس البوادي| سعاد سلامة

في بلد أنهكته الحرب وتوزعت خسائره بين الإنسان والمكان لم تعد الرعاية والتنمية الاجتماعية ترفاً مؤسسياً أو ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد اكتمال إعادة الإعمار بل أصبحت واحدة من أهم معارك الدولة في طريق استعادة السودان لعافيته ومن هنا تأتي أهمية ملتقى شركاء الرعاية والتنمية الاجتماعية الذي نظمته وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية باعتباره أكثر من مجرد مناسبة تجمع الوزراء والمسؤولين والخبراء والمنظمات فهو يحمل دلالة واضحة على أن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى رؤية مختلفة تبدأ من الإنسان قبل المباني ومن المجتمع قبل المشروعات ومن استعادة القدرة على الحياة قبل الحديث عن أرقام النمو ومؤشرات الاقتصاد
لقد نجحت وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية من خلال هذا الملتقى في توجيه الأنظار نحو واحدة من أهم القضايا الوطنية في مرحلة ما بعد الحرب وهي قضية بناء الإنسان واستعادة التماسك الاجتماعي فالوزارة لم تطرح ملف الرعاية الاجتماعية باعتباره عملاً خيرياً أو استجابة ظرفية لتداعيات الحرب بل قدمته بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً للتعافي وإعادة البناء والتنمية المستدامة وحمل الملتقى رسالة سياسية واجتماعية عميقة مفادها أن الدولة تتجه نحو إعادة ترتيب أولوياتها وأن بناء الإنسان السوداني أصبح في مقدمة أجندة التعافي الوطني فالحروب لا تدمر الطرق والجسور والمؤسسات فحسب بل تضرب النسيج الاجتماعي وتفكك الأسر وتوسع دائرة الفقر وتعمق الهشاشة الاجتماعية وتترك جراحاً نفسية واقتصادية تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل الجاد لمعالجتها
ولعل أبرز ما ميز هذا الملتقى أنه انتقل بالنقاش من دائرة الإغاثة العاجلة إلى أفق التنمية المستدامة فبعد سنوات انشغلت فيها الدولة والمنظمات الإنسانية بمواجهة التداعيات المباشرة للحرب جاء الملتقى ليؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تمكين الإنسان اقتصادياً واجتماعياً وربطه بالتعليم والتدريب والإنتاج وريادة الأعمال حتى يصبح قادراً على الاعتماد على ذاته والمساهمة في بناء وطنه وهذه الرؤية برزت بوضوح في خطاب وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الأستاذ معتصم أحمد صالح الذي أكد أن السودان يقف أمام مرحلة مفصلية تستوجب توجيه الجهود نحو بناء الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية للتعافي وإعادة الإعمار
وهي رسالة في غاية الأهمية لأن الحرب لم تترك خلفها دماراً مادياً فقط بل خلفت آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة ولذلك فإن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تتم عبر إعادة تشييد المباني والطرق والجسور وحدها وإنما عبر إعادة بناء الأسرة ودعم الطفل وتمكين المرأة ورعاية كبار السن وحماية الأشخاص ذوي الإعاقة وتأهيل الشباب وخلق فرص العمل واستعادة الثقة داخل المجتمع ومن هذا المنظور فإن رؤية الوزير في الانتقال من التدخلات الإسعافية إلى التمكين الاقتصادي والتنمية الإنتاجية تمثل واحدة من أهم الرسائل التي ينبغي أن تخرج بها الدولة من هذا الملتقى
فالمساعدة مطلوبة في أوقات الأزمات لكن المساعدة وحدها لا تبني مستقبلاً والدعم النقدي والغذائي قد ينقذ أسرة من محنة اليوم لكن التدريب والمشروع وفرصة العمل ومصدر الدخل هي التي تمنحها القدرة على مواجهة الغد وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وصناعة التعافي إن السودان لا يحتاج إلى مجتمع يعيش إلى الأبد على المساعدات وإنما يحتاج إلى مجتمع قادر على الإنتاج يمتلك المهارات والفرص والأدوات التي تمكنه من إعادة بناء حياته ولذلك فإن ربط الحماية الاجتماعية بالتعليم والتدريب وريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة ليس مجرد خيار اقتصادي بل هو ضرورة وطنية
ومن أهم الدلالات التي حملها الملتقى أنه جمع مختلف الشركاء من وزارات اتحادية وولايات وأقاليم ومنظمات وطنية ودولية ومؤسسات مجتمع مدني وخبراء ومتخصصين وهذا التنوع لا يعكس فقط حجم الاهتمام بقضايا التنمية الاجتماعية بل يؤكد أن معالجة آثار الحرب مسؤولية جماعية لا يمكن أن تنهض بها جهة واحدة مهما امتلكت من إمكانات كما أن إعلان ممثلي الولايات والأقاليم التزامهم بمخرجات الملتقى واعتمادها مرجعاً استراتيجياً لخطط وبرامج عام 2027 يمنح التوصيات قيمة عملية حقيقية وينقلها من مجرد أفكار وتوصيات إلى إطار يمكن أن تستند إليه الخطط التنفيذية في الولايات والأقاليم
وفي تقديري فإن الحديث عن العودة الطوعية للنازحين واللاجئين كان من أكثر المحاور واقعية في الملتقى لأن العودة لا تعني انتقال المواطن من مكان إلى آخر فحسب وإنما تعني استعادة الحياة نفسها فالأسرة العائدة تحتاج إلى مدرسة لأطفالها ومركز صحي ومياه وخدمات أساسية وفرصة عمل ومصدر دخل وشعور بالأمان والاستقرار ومن دون ذلك تبقى العودة ناقصة وغير قادرة على تحقيق أهدافها فالإنسان لا يعود إلى المكان فقط وإنما يعود إلى الحياة
كما أن التركيز على قضايا الطفولة والأيتام وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة ومكافحة التشرد يعكس وعياً متقدماً بأن التنمية الحقيقية تقاس بقدرتها على الوصول إلى أضعف الفئات في المجتمع فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تخدم الأقوياء فقط وإنما تلك التي توفر الحماية والكرامة والفرص للجميع دون استثناء فالطفل الذي فقد والده أو منزله أو مدرسته بسبب الحرب لا يحتاج فقط إلى الغذاء والدواء وإنما يحتاج إلى الحماية والتعليم والرعاية النفسية والبيئة الآمنة لأن الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة اليوم هو المواطن الذي سيحمل مشروع السودان غداً
ومن هنا فإن الاستثمار في الإنسان ليس شعاراً بل يبدأ من حماية الطفل ويمر عبر التعليم والصحة والتدريب والعمل وينتهي ببناء مواطن قادر على المشاركة في نهضة وطنه ولهذا فإن الدلالة الأعمق لملتقى شركاء الرعاية والتنمية الاجتماعية الذي نظمته وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية تكمن في أنه أعاد توجيه البوصلة نحو الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية للسودان فالطرق يمكن أن تبنى والمباني يمكن أن تشيد والمشروعات يمكن أن تمول لكن الإنسان المؤهل والآمن والمستقر يظل الضمانة الوحيدة لاستدامة كل ذلك
لكن وبقدر أهمية الملتقى فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعده فالملتقيات تنجح عندما تنتهي إلى قرارات والقرارات تنجح عندما تتحول إلى خطط والخطط تنجح عندما تصل إلى المواطن ولذلك فإن المسؤولية أمام وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية وشركائها أصبحت أكبر بعد هذا الملتقى لأن سقف التوقعات ارتفع وأصبح المواطن ينتظر أن يرى أثر هذه الرؤية في حياته والمطلوب الآن برنامج تنفيذي واضح بأولويات محددة وشراكات حقيقية وآليات للمتابعة والتقييم حتى لا تتحول مخرجات الملتقى إلى وثيقة تحفظ في الأدراج وإنما إلى مشروع وطني يتحرك على الأرض
ورغم قسوة الحرب وتداعياتها فإن السودان يقف أمام فرصة لإعادة ترتيب أولوياته وبناء نموذج جديد للعمل الاجتماعي نموذج لا يقوم على الإغاثة وحدها ولا ينظر إلى المواطن باعتباره رقماً في قوائم المستفيدين وإنما يراه إنساناً يمتلك طاقات وقدرات يمكن استثمارها في إعادة بناء وطنه وهنا يصبح دور وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية محورياً لأنها تقف في المنطقة التي تلتقي فيها الدولة بالمجتمع والاقتصاد بالإنسان والحماية بالتنمية والتعافي بالاستقرار
لقد قال ملتقى شركاء الرعاية والتنمية الاجتماعية شيئاً مهماً إن معركة السودان المقبلة ليست فقط معركة إعادة بناء المدن وإنما معركة إعادة بناء الإنسان وإذا كانت الحرب قد حاولت أن تهدم ما بين السودانيين من روابط فإن التنمية الاجتماعية مطالبة بأن تعيد بناء جسور الثقة والتكافل والتعايش وإذا كانت الحرب قد أضعفت الأسر فإن الرعاية الاجتماعية مطالبة بإسنادها وتمكينها وإذا كانت الحرب قد دفعت الملايين إلى النزوح والفقر والحاجة فإن التنمية مطالبة بأن تفتح أمامهم أبواب العودة والإنتاج والعمل الكريم
ومن هنا فإن قيمة هذا الملتقى لا تكمن فقط في انعقاده وإنما في الرسالة التي حملها وهي أن الإنسان السوداني يجب أن يكون أول مشروع في سودان ما بعد الحرب
فاصلة
إذا نجحت وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية وشركاؤها في تحويل مخرجات الملتقى إلى برامج حقيقية تصل إلى الناس فإن هذا الملتقى لن يكون مجرد محطة عابرة في أجندة العمل الحكومي بل يمكن أن يصبح بداية لمسار وطني جديد عنوانه الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي والتماسك المجتمعي والتنمية المستدامة
فالمدن تعمر بالحجارة لكن الأوطان تبنى بالإنسان وإذا أردنا سوداناً آمناً ومستقراً وقادراً على النهوض فعلينا أن نبدأ من حيث يجب أن تبدأ كل نهضة حقيقية من الإنسان ولأجل الإنسان
اللهم أمنا في أوطاننا





