إشتياق الكناني تكتب: سيادة والي الخرطوم.. المواطن لا يريد شماعة.. يريد رقابة وأسعاراً عادلة

حسب ما جاء في الأخبار، فإن والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، زار يوم الجمعة مطاحن الدقيق، بعد ظهور عدد من المشاكل المتعلقة بالإنتاج وتوفير الدقيق للمخابز، وما ترتب على ذلك من تأثير مباشر على توفر الخبز للمواطنين.
في رأيي، إن هذه الخطوة مهمة وضرورية، فأن يقف السيد الوالي بنفسه على أصل المشكلة، ويتتبع أسبابها ويبحث عن حلول لها، هو أمر يجد تقديراً وقبولاً لدى المواطنين، لأن المواطن في النهاية لا يريد سماع التبريرات بقدر ما يريد أن يرى المسؤولين قريبين من مشاكله اليومية، ويبحثون عن حلول حقيقية لها.
لكن، سيادة الوالي، مشكلة المواطن في الخرطوم لم تعد تقف عند أزمة الدقيق أو الخبز وحدها، وإنما أصبحت تمتد إلى معظم السلع الضرورية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية. فمع ارتفاع سعر الصرف ارتفعت أسعار السلع بصورة كبيرة، وأصبح المواطن عاجزاً عن مجاراة هذه الزيادات المتلاحقة.
زيت الطعام والبصل وغيرهما من السلع الأساسية أصبحت أسعارها تشكل عبئاً ثقيلاً على الأسر. والبصل، على سبيل المثال، أصبح ربع البصل في عدد من المحال والأسواق يباع بـ12 ألف جنيه، بينما في شهر أغسطس لم يكن السعر يتجاوز في بعض الأماكن 8 آلاف جنيه. أي أن الزيادة حدثت خلال فترة قصيرة وبصورة يصعب على المواطن استيعابها.
وحينما تستفسر عن هذه الزيادات الخرافية، يأتيك الرد الجاهز: **سعر الصرف**.
نعم، لا يمكن تجاهل تأثير سعر الصرف على أسعار السلع، خصوصاً في ظل اعتماد السوق على سلع ومدخلات مرتبطة بالاستيراد. لكن أن يصبح سعر الصرف شماعة نعلق عليها كل زيادة في الأسعار، فهذا أمر يحتاج إلى وقفة جادة من الجهات المختصة. فمن حق المواطن أن يعرف: هل كل هذه الزيادات مبررة فعلاً؟ وهل تتم مراجعة أسعار السلع ومراقبة هامش الربح، أم أن السوق أصبح مفتوحاً لكل من يريد أن يضع السعر الذي يناسبه؟
سيادة الوالي، غياب الرقابة وعدم وجود تسعيرة واضحة وملزمة للسلع الغذائية والاستهلاكية، أو على الأقل آلية فعالة لضبط الأسعار، هو ما جعل الفجوة تكبر وأدخل المواطن في ضائقة معيشية متزايدة. والأسوأ من ذلك أن هناك من يستفيد من تضييق معاش الناس، ويجد في حالة الفوضى فرصة لتحقيق أرباح أكبر على حساب المواطن.
وحتى رغيف الخبز، الذي يمثل الغذاء الأساسي لكثير من الأسر، لم يسلم من هذه الفوضى. فأصبح يباع ثلاثة أرغفة بألف جنيه، ومع ذلك فإن الوزن والمواصفات ليست موحدة، وتوجد فروقات واضحة من مخبز إلى آخر. المواطن يدفع السعر نفسه، لكنه لا يحصل بالضرورة على الكمية أو الوزن نفسه.
وهنا السؤال: إذا كان المواطن مطالباً بدفع السعر المحدد، فمن يضمن له أن يحصل على الوزن والمواصفات المحددة؟
إن المواطن اليوم لا يحتاج إلى المزيد من التبريرات، وإنما يحتاج إلى إجراءات يشعر بنتائجها في السوق. يحتاج إلى نشرة أسعار واضحة وموحدة للسلع الأساسية، ورقابة لصيقة على الأسواق والمحال والمخابز، ومحاسبة كل من يتلاعب بالأسعار أو الأوزان أو يستغل حاجة الناس.
زيارة السيد الوالي للمطاحن خطوة جيدة، لكن المطلوب أن تمتد هذه الزيارة إلى الأسواق، وأن تمتد معها الرقابة إلى كل حلقات السلع، من المنتج والمورد وحتى التاجر والمخبز.
فالمواطن الذي أنهكته الحرب والنزوح والظروف الاقتصادية لا يستطيع أن يتحمل عبء الزيادات المفتوحة كل يوم. وما يطمئن المواطن ليس الحديث عن ارتفاع الأسعار، وإنما أن يرى إجراءات حقيقية تحمي ما تبقى من قدرته على توفير احتياجات أسرته الأساسية.
*المواطن لا يريد معجزات.. يريد فقط أن يجد ما يحتاجه بسعر عادل، ووزن عادل، ورقابة تحميه من الاستغلال.*





