
عندما قرأت خبر توقيع وزير المالية والتخطيط الاقتصادي الدكتور جبريل إبراهيم اتفاقاً يتعلق باستغلال وصيد سمك التونة في المياه السودانية بالبحر الأحمر، لم أتوقف كثيراً عند التونة نفسها، بقدر ما توقفت عند السؤال الأكبر الذي
يختبئ خلفها: هل بدأ السودان أخيراً ينظر إلى البحر الأحمر باعتباره ثروة اقتصادية، لا مجرد حدود وموانئ؟
فالاقتصاد الأزرق، ببساطة، هو توظيف موارد البحار والسواحل في خلق النمو وفرص العمل والدخل، مع المحافظة على البيئة البحرية واستدامة مواردها. والسودان
يملك كل مقومات هذا الاقتصاد؛ ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، وثروة سمكية، وشعاباً مرجانية، وجزراً، وموانئ، ومقومات سياحة بحرية، وموقعاً استراتيجياً فريداً.
لكن المفارقة أن السودان ظل لسنوات طويلة يعيش بجوار هذا البحر الغني وكأنه لا يراه.
ولدي مع البحر الأحمر حكاية قديمة تعود إلى نحو عشرين عاماً تحديدا في مارس 2006 عندما كنت من ضمن حضور مؤتمر المائدة المستديرة التي نظمتها المنظمة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن (PERSGA) في بورتسودان حول التنمية المستدامة لساحل البحر
الأحمر. جاءتني الدعوة يومها من الدكتور حسن هلال، وزير البيئة السوداني آنذاك، وكان لصديقي حبيب عبدي الجيبوتي مسؤول الإعلام بالمنظمة، دور في التواصل والدعوة للمشاركة.
في ذلك الوقت لم يكن مصطلح الاقتصاد الأزرق قد أصبح شائعاً كما هو اليوم، لكن جوهر الفكرة كان حاضراً: كيف نستثمر ساحل البحر الأحمر ونحافظ في الوقت نفسه على موارده وبيئته ونضمن استفادة المجتمعات الساحلية منه؟
خرجت تلك المائدة بتوصيات مهمة، وتبعها عمل على الإدارة
المتكاملة للمناطق الساحلية وإنشاء مكتب مختص في بورتسودان، وإجراء دراسات ومسوح للموارد الساحلية والبحرية، كما تحرك ملف حماية مواقع بحرية فريدة مثل دنقناب وسنقنيب.
واليوم، وبعد ما يقارب عقدين من الزمان، أجد نفسي أطرح السؤال الذي ربما يكون أكثر إيلاماً من السؤال الاقتصادي نفسه:
ماذا استفاد السودان من مخرجات تلك المائدة المستديرة؟
أين ذهبت الدراسات؟ وأين مشروعات الصيد والتصنيع السمكي؟ أين مصانع التبريد والتعليب؟ ماذا حدث للصياد السوداني؟ ولماذا ما زلنا نتحدث عن استثمار البحر وكأننا نكتشفه للمرة الأولى؟
الدول لا تتقدم بكثرة المؤتمرات، وإنما بقدرتها على تحويل توصيات المؤتمرات إلى سياسات، والسياسات إلى مشروعات، والمشروعات إلى إنتاج وقيمة مضافة.
ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن التونة.
فالتونة ليست مجرد سمكة تُصاد وتباع. إنها صناعة عالمية تبدأ من السفينة ولا تنتهي عند الميناء؛ صيد وتبريد وتصنيع وتعليب ونقل وتسويق وتصدير. ولذلك فإن أي اتفاق لاستغلال التونة في المياه السودانية يجب ألا يقاس فقط بحجم العائد الذي يدخل خزينة الدولة، وإنما بالسؤال الأهم: كم من هذه القيمة سيبقى داخل السودان؟
كم سفينة سودانية ستعمل؟ كم مصنعاً سيقام؟ كم شاباً سيتم تدريبه؟ كم فرصة عمل ستنشأ؟ وهل ستُنقل التكنولوجيا والخبرة إلى الصياد السوداني؟
إذا كانت الإجابة أن السفينة الأجنبية ستأتي، تصطاد، ثم تغادر محملة بالثروة، فعلينا أن نكون أكثر حذراً. أما إذا كان الاتفاق سيقود إلى صناعة سمكية سودانية متكاملة، ويخلق قيمة مضافة وفرص عمل ويطور قدرات الصيادين، فهنا يمكن أن نتحدث عن استثمار حقيقي.
المسألة إذن ليست في أن نصطاد التونة، وإنما كيف نصطادها؟ ولمن تذهب قيمتها؟
والأخطر من ذلك أن ثروتنا البحرية لا تواجه فقط ضعف الاستثمار، وإنما تواجه أحياناً ممارسات صيد مدمرة. فقد شهد الساحل السوداني في سنوات سابقة شكاوى من الصيد الجائر واستخدام وسائل مدمرة، بينها المتفجرات والجرف البحري، وهي ممارسات لا تقتل الأسماك وحدها، بل تدمر الشعاب المرجانية ومواطن التكاثر التي تقوم عليها الثروة السمكية.
وهنا يجب أن تكون للدولة كلمة حاسمة: البحر الأحمر السوداني ليس منطقة مباحة لكل من يملك سفينة.
الاستثمار مرحب به، والخبرة الأجنبية مطلوبة، لكن السيادة على الموارد لا تعني رفع العلم على الميناء فقط؛ السيادة الحقيقية أن تعرف الدولة من يصطاد في مياهها، وماذا يصطاد، وكم يصطاد، وأين يصطاد، وأن تضمن ألا يتحول الاستثمار إلى استنزاف.
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى البحر الأحمر كقطاع اقتصادي متكامل، لا كملف تابع لجهة واحدة. نحتاج إلى أسطول صيد حديث، ومراكز تبريد وتخزين، ومصانع تعليب وتصنيع، ومعاهد لتدريب الصيادين، ومراكز أبحاث بحرية، ونظام صارم لمراقبة السفن، وتشجيع السياحة البحرية، وحماية الشعاب المرجانية، وإشراك المجتمعات الساحلية في صناعة القرار.
وإذا كان وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم قد فتح بهذا الاتفاق نافذة جديدة على التونة، فإن المطلوب ألا نغلقها عند أول سمكة.
نريد أن نرى البحر كله.
نريد سياسة وطنية تجعل من الاقتصاد الأزرق أحد روافع الاقتصاد السوداني بعد الحرب، وتضع البحر الأحمر في قلب خطط الاستثمار والإنتاج والتصدير، لا في هامشها.
فقد مضى نحو عشرين عاماً منذ أن جلسنا في بورتسودان نتحدث عن التنمية المستدامة لساحل البحر الأحمر.
واليوم نعود إلى النقطة ذاتها تقريباً.
والسؤال الذي يجب ألا نؤجله هذه المرة هو:
هل سيتحول اتفاق التونة إلى بداية لصيد اقتصاد السودان من البحر، أم ستبقى التونة مجرد سمكة أخرى تخرج من مياهنا بينما تظل القيمة الحقيقية في شباك الآخرين؟
السودان لا يحتاج إلى بيع البحر.
السودان يحتاج إلى استثماره.





