
لا تُبنى الدول بالرغبات، ولا تنهض بالشعارات، ولا تستقيم بمجرد امتلاك الأرض والموارد والناس، وإنما تُبنى حين تقوم على بنى تحتية راسخة تجعل الحياة ممكنة، والإنتاج ممكنًا، والاستثمار ممكنًا، والإدارة ممكنة. فالدولة الحديثة لا تقوم من غير طاقة، ولا طرق، ولا جسور، ولا موانئ، ولا مطارات، ولا سكك حديدية، ولا اتصالات، ولا مياه، ولا صرف صحي، ولا صحة، ولا تعليم، ولا نظام مصرفي، ولا مؤسسات قادرة على إدارة كل ذلك وربطه في منظومة واحدة.
فالطاقة هي عصب الحياة الحديثة بها تعمل المصانع والمستشفيات والمدارس والمضخات وشبكات
الاتصالات، وبها تحفظ الأدوية والأغذية، وبها تقوم الزراعة الحديثة والصناعة والخدمات. والطرق والجسور والسكك الحديدية والموانئ والمطارات هي شرايين الدولة، تنقل الإنسان والسلعة، وتربط الريف بالمدينة، ومناطق الإنتاج بالأسواق، والداخل بالعالم. والاتصالات والإنترنت لم تعد ترفًا، بل صارت شرطًا لعمل الدولة والاقتصاد والتعليم والصحة والمصارف والتجارة. والمياه والصرف الصحي أساس الصحة والعمران، فمدينة بلا ماء نقي ولا صرف آمن ليست مدينة مستقرة مهما كثرت مبانيها. والتعليم هو بنية الإنسان الذي يدير الدولة ويصون مواردها ويشغل مصانعها ومزارعها وموانئها. والصحة هي بنية الحياة التي تحفظ الإنسان العامل والمنتج والمتعلم. والنظام المالي والمصرفي هو مجرى الثقة الذي تنتقل عبره الأموال والتحويلات والتمويل والاستثمار.
ومن ثم فإن الحديث عن البنية التحتية ليس حديثًا عن طريق هنا أو محطة كهرباء هناك أو مدرسة أو مستشفى في موضع آخر فحسب، بل هو حديث عن شبكة متكاملة تتساند عناصرها ولا يستغني بعضها عن بعض. فالكهرباء تحتاج إلى طرق لنقل معداتها وصيانتها، والمستشفى يحتاج إلى كهرباء ومياه واتصال ودواء وطريق، والمدرسة تحتاج إلى معلم مدرّب ومبنى آمن ووسيلة وصول وبيئة مستقرة، والميناء يحتاج إلى طرق وسكك حديدية وجمارك رقمية ومصارف وسعر صرف واضح، والزراعة تحتاج إلى مياه وطاقة وتمويل ونقل وتخزين وتصنيع وتسويق. فإذا انقطع عنصر من هذه العناصر، تعطلت معه عناصر كثيرة، وصار المشروع الواحد ناقصًا مهما بدا في ظاهره كبيرًا.
لكن السؤال الجوهري هنا ليس: هل تحتاج الدولة إلى هذه البنى التحتية؟ فهذا مما لا خلاف عليه. السؤال الأعمق هو: كيف تقوم هذه البنى أصلًا؟ وكيف تُموّل؟ وكيف تُدار؟ وكيف تستمر؟ وكيف لا تتحول إلى منشآت مكلفة تتآكل بعد قليل، أو مشاريع معلنة لا تكتمل، أو مرافق قائمة لا تعمل بكفاءة؟
هنا تظهر الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: أن كل هذه البنى التحتية، حتى بحدها الأدنى، فضلًا عن حدها الأقصى الممكن، لن تقوم في بيئة مضطربة، ولا في ظل تشريعات معطلة، ولا وسط فوضى الجبايات، ولا مع تعدد أسعار الصرف، ولا في غياب الثقة، ولا مع ضعف الحوكمة، ولا في دولة لا تعرف بياناتها بدقة، ولا تربط مؤسساتها رقميًا، ولا تطمئن المستثمر والمواطن والمغترب والممول إلى أن القانون واضح، والإجراء معلوم، والحق محفوظ، والسعر عادل، والقرار مستقر.
فالدولة قد ترغب في بناء الطرق، لكنها لن تجد التمويل الكافي إذا كانت بيئتها طاردة. وقد تريد زيادة الكهرباء، لكنها لن تستطيع استدامة المحطات والشبكات إذا غابت الإدارة الرشيدة والتمويل المنظم والتحصيل الشفاف. وقد تعلن تطوير الموانئ، لكن الميناء لن يتحول إلى بوابة نهضة إذا ظلت الجمارك بطيئة، والإجراءات متضاربة، وسعر الصرف مرتبكًا، والتحويلات مقيدة، والثقة المصرفية مفقودة. وقد تتحدث عن التعليم والصحة، لكنهما لن ينهضا إذا ظل الاقتصاد نفسه عاجزًا عن توليد الموارد، وإذا ظلت الدولة تعالج الأعراض ولا تصلح الجذر.
ولهذا فإن قبل البنى التحتية المادية توجد بنية تحتية أعظم منها وأسبق، وهي البنية التحتية التشريعية والمؤسسية والرقمية والاقتصادية. هذه هي البنية التي لا تُرى في شكل طريق أو جسر، لكنها هي التي تجعل الطريق والجسر والميناء والمستشفى والمدرسة ممكنة التمويل والتنفيذ والاستمرار. وهي لا تحتاج في بدايتها إلى مليارات الدولارات، ولا إلى انتظار المعونات، ولا إلى اكتمال الظروف، بقدر ما تحتاج إلى إرادة حاسمة، وقرارات واضحة، وتنزيل فوري لحزمة إصلاح متكاملة.
وهذه الحزمة تبدأ بسيادة القانون وحماية الملكية والعقود، لأن المال لا يدخل أرضًا لا يطمئن فيها إلى حقه، ولا يستقر استثمار في بيئة لا يعرف فيها المستثمر أين يبدأ الإجراء وأين ينتهي. وتمتد إلى الحوكمة الرشيدة التي تجعل القرار معلومًا، والرسوم موحدة، والضرائب مبسطة، والمساءلة قائمة، والمال العام محفوظًا، والاحتكار والفساد محاصرين. وتمتد كذلك إلى الرقمنة الشاملة التي تربط السجل المدني والجمارك والضرائب والمصارف والعقارات والقضاء والخدمات في منظومة واحدة، فتقلل التهرب والازدواج والفساد، وتزيد الإيرادات من غير ظلم ولا تعسف.
وفي قلب هذه البنية العظمى يأتي تحرير سعر الصرف تحريرًا شفافًا عبر منصة معلنة تعمل وفق العرض والطلب، لا وفق القرارات الإدارية المنفصلة عن الواقع. فسعر الصرف ليس رقمًا ماليًا مجردًا، بل هو مرآة الثقة في الاقتصاد، وبوابة التحويلات، وحساب الصادر والوارد، وميزان المستثمر والمغترب والمصرف والتاجر والصانع. وما دام السعر الرسمي بعيدًا عن السعر الحقيقي، وما دامت القنوات الرسمية لا تعطي صاحب المال حقه العادل، فإن المال يبحث عن طريق آخر، والصادر يضعف، والتحويلات تهرب، والمصارف تفقد وظيفتها، والدولة تفقد موردًا هائلًا كان يمكن أن يدخل عبر الأبواب لا عبر السراديب.
إن تنزيل هذه البنية التحتية العظمى، من تشريعات عادلة، وحوكمة صارمة، ورقمنة شاملة، وسعر صرف شفاف، وتحرير من القيود الخانقة، ليس مشروعًا ثانويًا يؤجل إلى ما بعد الطرق والكهرباء، بل هو الشرط السابق لقيام الطرق والكهرباء والموانئ والمدارس والمستشفيات نفسها. فهذه الإصلاحات هي التي تفتح باب التمويل، وتجذب الاستثمار، وتعيد ثقة المغترب في التحويل، وتعيد للمصرف دوره، وتحرك القطاع الخاص، وتوسع قاعدة الإنتاج والتجارة والصادر، وتمنح الدولة موارد أكبر من حركة الاقتصاد نفسه.
وعندئذ لا تبقى البنية التحتية محصورة فيما تستطيع الخزينة العامة دفعه اليوم من مال قليل، بل تتحول إلى مجال واسع تتكاثر فيه المشروعات بقدر ما تصلح البيئة. فالمستثمر يدخل حين يرى قانونًا واضحًا وسعرًا شفافًا وإجراءً رقميًا وحقًا محفوظًا. والممول يقترب حين يرى مشروعًا قابلًا للحساب والاسترداد. والمغترب يحوّل حين يطمئن إلى أن ماله يصل بسعر عادل عبر قناة رسمية. والمواطن ينتج حين يرى أن جهده لا تلتهمه الجبايات والفوضى. والدولة نفسها تغتني لاحقًا لا بالضغط على اقتصاد راكد، بل باتساع النشاط الاقتصادي، وكثرة الإنتاج، وزيادة التجارة، ونمو الصادرات، واتساع الإيرادات العادلة.
ومن هنا فإن السودان لا يحتاج إلى أن ينتظر امتلاك المال الكبير حتى يبدأ الإصلاح، بل يحتاج إلى أن يبدأ الإصلاح حتى يولّد المال الكبير. ولا يحتاج إلى أن يعلّق كل شيء على مشروع ضخم يأتي من الخارج، بل إلى أن يفتح البيئة التي تجعل الداخل والخارج معًا قادرين على البناء. ولا يحتاج إلى أن يختار بين الإصلاح والبنية التحتية، بل إلى أن يفهم أن الإصلاح هو البنية التحتية الأولى التي تجعل كل بنية بعدها ممكنة.
نعم، على الدولة أن تبني بما تستطيع الآن من طرق وكهرباء ومياه ومدارس ومستشفيات وموانئ، وألا توقف العمل بحجة انتظار الإصلاح الكامل. ولكن عليها في الوقت نفسه أن تدرك أن هذه الجهود ستظل محدودة، متعثرة، وقليلة الأثر إذا لم تمضِ معها فورًا حزمة الإصلاح الكبرى. فالمساران يجب أن يمضيا معًا: ما يمكن بناؤه اليوم بالموارد المتاحة، وما يجب تنزيله فورًا من قرارات وتشريعات وحوكمة ورقمنة وسعر صرف شفاف. غير أن الأثر الأعظم سيأتي من البنية العظمى؛ لأنها هي التي تضاعف قدرة الدولة، وتحرر طاقة المجتمع، وتفتح أبواب التمويل، وتجعل البنية التحتية المادية نتيجة طبيعية لبيئة سليمة لا عبئًا دائمًا على خزينة منهكة.
إن الطرق والكهرباء والمياه والموانئ والاتصالات والتعليم والصحة هي جسد الدولة، ولكن التشريعات الرشيدة والحوكمة والرقمنة وسعر الصرف الشفاف هي عقل هذا الجسد ودورته الدموية. فإذا غاب العقل اضطرب الجسد، وإذا تعطلت الدورة لم تنفع الأعضاء مهما كثرت. ومن هنا فإن البنية التحتية العظمى ليست طريقًا من إسفلت، ولا جسرًا من خرسانة، ولا محطة من حديد، لكنها الطريق الذي يفتح كل الطرق، والجسر الذي تعبر عليه الدولة من الفوضى إلى
النظام، والمحطة التي تنطلق منها النهضة كلها.
وبذلك فقط ينتقل السودان من منطق الترقيع إلى منطق التأسيس ، ومن انتظار المال قبل الإصلاح إلى توليد المال بالإصلاح، ومن إدارة الندرة إلى صناعة القدرة، ومن الحديث عن البنية التحتية بوصفها أمنية بعيدة إلى جعلها ثمرة طبيعية لدولة رشيدة، واضحة، رقمية، عادلة، واثقة بنفسها وبمستقبلها.





