
الغلاء الطاحن والارتفاع الجنوني لأسعار الدولار وكافة السلع ،و الذي يزداد يوماً بعد يوم بسرعة صاروخية أصبح مثل: ثور هائج في مستودع الخزف، وأصيب بلوثة جنون جعلته يحطم كل شيء أمامه.
وإذا لم يتم تدارك الموقف العصيب بمعالجات إسعافية عاجلة وواضحة،ولو وتركت الأمور الاقتصادية تسير بلا بوصلة هادية فإن الغضب والتذمر الصامت أو الهامس سيتحول لغضب جهير هادر يؤدي لانفجار تلقائي تعقبه فوضى عارمة .ولا داعي لدفن الرؤوس في الرمال ويجب الحذر والانتباه قبل أن يقع الفأس على الرأس ،ولات ساعة مندم. ولا يزال في الوقت متسع وفرصة ؛لتصحيح الأخطاء وإصلاح الاعوجاج.
وبعد القرار الكارثي الذي تم اتخاذه قبل قرابة ستة أعوام وزيدت بموجبه مرتبات العاملين في الدولة بنسبة خمسمائة وخمسين في المائة ابتلع السوق الأسود تلك الزيادات بسرعة فائقة وحدث تضخم رهيب عانى منه العاملون في الدولة وكل المواطنين الذين لا يعملون في الدولة. وبموجب تلك الزيادات أصبح مرتب من هو في الدرجة الأولى بعد عشرات الأعوام في الخدمة مائة وسبعين ألف جنيه اي ما يعادل خمسة وثلاثون دولار ومرتب العامل القديم الذي أمضى سنوات طويلة في
الخدمة حوالي ثمانين ألف جنيه. وفي سنوات الحرب الإجرامية الانتقامية الآثمة زاد التضخم أضعافاً مضاعفة وظلت المرتبات بذات أرقامها قبل الحرب وزيدت قليلاً مؤخراً وهي لا تفي ولو بجزء من ضروريات أسرة عدد أفرادها قليل.
والأغلبية الساحقة من المواطنين تعيش على الكفاف والعفاف وسترة الحال وربما تكتفي بعض الأسر بوجبة واحدة أو وجبتين فقيرتين مع حرمان أطفال صغار لا حصر لهم من اللبن ووغيره وينطبق عليهم قول الحطيئة (و أفراخ يذى مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر) والعنصر النفيس الأصيل من الشعب السوداني يمثل أغلبية وتجلى في هذه الحرب ويأتي المغتربون السودانيون وبالإجماع على رأس القائمة وكان لهم فضل كبير على أسرهم الصغيرة وأسرهم الممتدة مع المساهمة مع الآخرين في تقديم الخدمات لمناطقهم. وإن الخيرين
السودانيين من المنتجين الجادين القادرين مادياً ظلوا حريصين على الوفاء بالتزاماتهم تجاه الدولة بلا تأخير وإبطاء بتسديد ما عليهم من زكاة وجمارك وضرائب والاحسان للفقراء والمساكين والمساهمة في ترميم المدارس وتقديم المولدات الكهربائية والطاقة للمستشفيات… إلخ وبين كافة المواطنين تكافل وتراحم بطريقة (الجيب واحد) (والفقراء اقتسموا النبقة)، والامام الشافعي يقول على لسان من عرفوا بالجود:
يا لهف نفسي على مال أفرقه
على المقلين من أهل المروات
إن اعتذاري إلى من جاء يسألني
ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
وعلى النقيض من ذلك يوجد العنصر الرخيص الانتهازي الأنانى المتمثل في أثرياء الحروب والأزمات… مافيا الوقود والغاز – مافيا الدقيق – مافيا المدخلات الزراعية – مافيا السجم والرماد… إلخ.
وإن الدول ذات المؤسسية الراسخة إذا خاضت حروباً فإنها تضع أولوية للدفاع والأمن يتم التعامل فيها بشفافية وأرقام دقيقة تخضع للمراجعة لأنها ليست تكيّة سائبة وبوضوح تام لأنها ليست جمعية ماسونية تعمل في سرية.
وخلاصة القول إن السوق الأسود (الفك المفترس) والغلاء الطاحن ومعاناة المواطنين التي بلغت حدها الأقصى تقتضي تدخل الدولة في أرفع مستوياتها لإيجاد دواء ناجع لهذا الداء الوبيل ووزير المالية الحالي أمضى في موقعه أكثر من خمسة أعوام متصلة والعبء عليه وحده كبير والمسؤولية جسيمة ولا يمكن أن يكون وحده هو
الممسك بكل الخيوط ولا بد من وجود وزيري دولة في وزارة المالية على أقل تقدير في هذه الظروف الحرجة يكون أحدهما للميزانية والآخر للإيرادات. وكل مواؤد الدولة وعائدات الصادرات ينبغي أن تكون خاضعة بكل حزم وصرامة لوزارة المالية ومودعة في بنك السودان مع منع التجنيب وكل السبل الملتوية.
وفي غياب وجود مجلس تشريعي انتقالي يحاسب ويراجع ويراقب الاداء التنفيذي للدولة وفي غياب وجود لجنة للشؤون الاقتصادية والمالية لعدم وجود مجلس تشريعي فإن الضرورة الملحة تقتضي تشكيل هذه اللجنة من دهاقنة الاقتصاد والخبراء وأهل الشأن في القطاع الاقتصادي لتخطط وتحاسب وتراجع وتراقب وتقف على كل كبيرة وصغيرة مع ضرورة ترشيد الصرف وإيلاء معاناة وهموم المواطنين المعيشية أقصى درجات الاهتمام.
محطة أخيرة:
السودان وطن حر له سيادته ومن حقه أن يجلب السلاح من أية دولة أخرى باكستان أو غيرها لأنه دولة يحق لها أن تدافع عن أرضها وعرضها وسيادتها وهو ليس عصابة إجرامية خارجة على الدولة القانون ومتمردة على الدولة. وفي اطار العلاقات الدولية فإن الصديق يكون صديقاً بحق وقت الضيق. والسودان امكانياته هائلة وموارده وثرواته المتنوعة ضخمة ويمكن اقامة شراكات ذكية واستثمارات ضخمة مع الاصدقاء والاشقاء.
ووضعه الراهن يتطلب إيجاد ودائع مصرفية دولارية وبالعملات الحرة مع بعض الدول الصديقة والشقيقة إذا تم تجاوز تدخل (اليانكي) .. وتأتي المعالجات الأخرى للحد من غلواء السوق الأسود بإقامة جمعيات تعاونية و… ألخ والإنتاج هو الحل وبالانتاج لن نحتاج.





