مقالات

من فقر الصين إلى نهضة السودان: دروس عملية (3 من 10): الانفتاح المنضبط والمناطق الاقتصادية الخاصة

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

بعد أن بدأت الصين إصلاحها العميق من الريف، ومن تحرير طاقة الفلاح والمنتج الصغير، انتقلت إلى خطوة أخرى لا تقل أهمية: الانفتاح على العالم، لكن لا بوصفه فوضى مفتوحة، ولا ارتماءً في السوق الدولية بلا ضوابط، ولا بيعًا للموارد الوطنية، بل بوصفه انفتاحًا محسوبًا، غايته جذب رأس المال، والتكنولوجيا، والخبرة، والأسواق، والانضباط الصناعي، وربط الداخل بالخارج من طريق الإنتاج لا من طريق الاستهلاك وحده.
وهنا ينبغي أن ننتبه منذ البداية إلى أن الانفتاح الصيني لم يكن مثاليًا ولا خاليًا من الأخطاء، كما أنه لم يكن نسخة واحدة جامدة طُبقت في كل البلاد دفعة واحدة. كان انفتاحًا تدريجيًا وتجريبيًا، بدأ في مناطق محددة، ثم توسع بعد أن ظهرت نتائجه. وهذا من أهم دروس التجربة الصينية: لا تختبر السياسات الكبرى في جسد الدولة كله مرة واحدة، بل ابدأ بنماذج محددة، راقب، صحح، ثم وسّع ما ينجح.

من هنا جاءت فكرة المناطق الاقتصادية الخاصة. فقد اختارت الصين مناطق معينة لتكون بوابات للتجربة الجديدة، تُمنح فيها تسهيلات أوضح، وإجراءات أسرع، وبيئة أكثر قدرة على جذب المستثمرين، مع ربطها بالتصدير والتصنيع والعمل والتعلم. لم تكن المنطقة الاقتصادية الخاصة مجرد أرضٍ مسوّرة باسم كبير، بل كانت نظامًا مختلفًا داخل حدود واضحة، هدفه أن يتحول الاستثمار إلى إنتاج، وأن تتحول التجربة المحدودة إلى درسٍ قابل للتوسيع.

ومن أشهر رموز هذه التجربة مدينة شِنزن، التي تحولت من منطقة محدودة إلى واحدة من أبرز مدن الصناعة والتقنية والتصدير في العالم. لكن الدرس هنا ليس أن ينسخ السودان شِنزن، ولا أن يظن أن تسمية منطقة ما “اقتصادية خاصة” تكفي لصناعة المعجزة؛ فالاسم لا ينهض بالاقتصاد. الذي يصنع الفرق هو النظام الذي يعمل داخل المنطقة، ومدى ارتباطها بالإنتاج، وقربها من الأسواق والموانئ، وقدرتها على جذب المستثمر المنتج لا المستثمر الباحث عن امتيازات بلا أثر.

فالمنطقة الاقتصادية الخاصة الناجحة ليست لافتة تُرفع على أرضٍ خالية، بل بيئة إنتاج متكاملة. إذا دخل المستثمر وجد مشروعًا واضحًا، وأرضًا معلومة، وخدمة أفضل، وإجراءات أسرع، وسلسلة إنتاج يمكن أن يدخل فيها. أما إذا حملت المنطقة اسمًا كبيرًا، ثم وجد المستثمر فيها ذات التعقيد القديم، وذات النزاع على الأرض، وذات البطء والارتباك، فإنها تصبح منطقة خاصة بالاسم فقط، لا بالنتائج.

والأهم أن الانفتاح الصيني لم يكن انفتاحًا استهلاكيًا فقط، بل كان انفتاحًا إنتاجيًا. لم يكن الهدف أن تمتلئ الأسواق بالبضائع الأجنبية فحسب، بل أن تدخل الآلات، والخبرة، والإدارة الحديثة، وسلاسل التوريد، والتدريب، ثم تتحول الصين نفسها إلى منتج ومصدر. وهذا فرق جوهري. فهناك انفتاح يجعل البلد سوقًا للآخرين، وهناك انفتاح يجعل البلد شريكًا في الإنتاج. الأول يستنزف العملة، والثاني يصنعها.

وهذا هو الدرس الأهم للسودان. فالانفتاح المطلوب ليس أن يدخل المستثمر ليأخذ الخام ويخرج، ولا أن تُمنح الأراضي بلا إنتاج، ولا أن تُغرق الأسواق بالسلع المستوردة بينما يموت المنتج المحلي، بل أن يأتي الاستثمار مرتبطًا بقيمة مضافة داخل السودان: مصنع، تدريب، تشغيل، نقل تقنية، صادرات، تطوير سلاسل إنتاج، وفتح أسواق. الاستثمار النافع ليس حجمه في الإعلان، بل أثره في الواقع: كم وظيفة خلق؟ كم منتجًا صنع؟ كم صادرات رفع؟ كم مهارة نقل؟ كم قيمة أضاف إلى المورد السوداني قبل خروجه إلى العالم؟
والسودان، إذا أراد أن يستفيد من هذا الدرس، لا ينبغي أن يبدأ بمناطق اقتصادية عامة بلا هوية، بل بمناطق مرتبطة بموارد حقيقية وحجم إنتاج مناسب. منطقة للسمسم والفول والمحاصيل الزيتية، لا لبيع الحبوب فقط، بل للزيوت والطحينة والأعلاف والتعبئة. منطقة للثروة الحيوانية، لا لتصدير الماشية حية فقط، بل للمسالخ الحديثة والجلود والألبان والتبريد. منطقة للتعدين المنظم، لا لتهريب الذهب، بل للشراء الرسمي والتصفية والتتبع والرقابة البيئية. ومنطقة لوجستية قرب البحر الأحمر، لا لخدمة الميناء وحده، بل لخدمة الصادر والوارد والعبور إلى الداخل الأفريقي. أما الموارد المهمة ذات الحجم المحدود أو الآليات الأبسط، فيمكن خدمتها من خلال مراكز معالجة وتعبئة وتسويق داخل سلاسل الإنتاج القائمة، لا بالضرورة عبر تخصيص منطقة اقتصادية مستقلة لها.

بهذا المعنى، تصبح المنطقة الاقتصادية الخاصة أداةً لتنظيم المورد لا لاقتطاعه من البلد. فهي لا ينبغي أن تكون جزيرة أجنبية مغلقة، ولا امتيازًا خاصًا لفئة محدودة، ولا أرضًا محجوزة لسنوات بلا إنتاج، بل جسرًا بين المنتج المحلي والسوق العالمي. المنتج الصغير في الريف يجب أن يجد أثر المنطقة في سعرٍ أفضل، وتخزينٍ أفضل، ومصنعٍ قريب، ومعلومةٍ أوضح، وتمويلٍ أيسر، لا أن يرى ثمار أرضه وموارده تخرج من أمامه دون أن ينتفع.

والانفتاح المنضبط يحتاج أيضًا إلى تمييز واضح بين المستثمر المنتج والمستثمر الريعي. المستثمر المنتج يبني مصنعًا، أو ينقل تقنية، أو يشغل عمالة، أو يرفع صادرات، أو يدخل في سلسلة قيمة. أما المستثمر الريعي فيطلب أرضًا واسعة، وإعفاءات طويلة، وامتيازات غامضة، ثم يترك الأرض بلا إنتاج أو يستخدمها للمضاربة. السودان لا يحتمل هذا النوع من الاستثمار. كل امتياز يجب أن يُربط بأداء محدد: مدة للتنفيذ، حد أدنى من التشغيل، نسبة من القيمة المضافة، تدريب للعمالة، التزام بيئي، ونشر تقارير دورية. من أخذ أرضًا ولم ينتج تُسحب منه، ومن أخذ إعفاءً ولم يحقق أثرًا تُراجع ميزته.

ومن الأخطاء التي يجب تجنبها أن تتحول المناطق الخاصة إلى أبواب خلفية للفساد أو التهرب أو الاحتكار. فإذا كانت المنطقة الخاصة تعني إعفاءات بلا رقابة، أو امتيازات بلا محاسبة، أو عمالة بلا حقوق، أو بيئة بلا حماية، فإنها تصبح عبئًا لا فرصة. أما إذا كانت تعني إجراءات أسرع، وقانونًا أوضح، ومحاسبة أدق، وتنافسًا عادلًا، فإنها تصبح مدرسة للإصلاح يمكن أن تنتقل تجربتها لاحقًا إلى بقية البلاد.

وينبغي أن ترتبط هذه المناطق بالتعليم الفني والتدريب. فلا قيمة لمنطقة صناعية لا تخلق مهارات محلية. يجب أن يكون إلى جانب كل منطقة مركز تدريب عملي: تشغيل آلات، صيانة، تعبئة، تبريد، جودة، جلود، ألبان، طاقة شمسية، لوجستيات، محاسبة، وسلامة مهنية. فالمستثمر العابر قد يخرج يومًا، لكن المهارة التي تنتقل إلى أبناء البلد تبقى. ومن هنا يصبح الاستثمار مدرسة، لا مجرد مال داخل وخارج.

والسودان يمكن أن يبدأ بنماذج محدودة بدل إعلان خريطة واسعة لا تُنفذ. يمكن اختيار منطقة للثروة الحيوانية، وأخرى للزيوت، وثالثة للتعدين المنظم، ورابعة قرب البحر الأحمر للخدمات اللوجستية، وخامسة للتصنيع الغذائي حيث تتوفر المواد الخام بكثافة. لكل منطقة هدف محدد، ومجلس إدارة مهني، ومؤشرات أداء، وتقرير معلن: كم مشروعًا بدأ؟ كم وظيفة خُلقت؟ كم صادرات زادت؟ كم قيمة أُضيفت للخام؟ فإذا نجحت النماذج، توسعت التجربة. وإذا تعثرت، تُصحح قبل أن تعمم.

ولا بد أن يكون للمنتجين السودانيين والمغتربين مكان واضح في هذه المناطق. فالانفتاح لا يعني الأجنبي وحده. المستثمر الوطني، وصاحب المصنع الصغير، والتعاونية، والمغترب، كلهم يجب أن يجدوا مدخلًا. بل إن المغتربين السودانيين قد يكونون من أهم جسور الانفتاح؛ لأنهم يملكون معرفة بالأسواق، وخبرة بالقوانين، وعلاقات تجارية، وقدرة مالية، لكنهم يحتاجون إلى ثقة وضمانات ومشروعات واضحة، لا إلى نداءات عاطفية عابرة.

والسيادة الاقتصادية لا تعني إغلاق الأبواب، كما لا تعني فتحها بلا شروط. السيادة أن تعرف الدولة ماذا تريد من الاستثمار، وأن تضع قواعد عادلة، وتحمي الموارد، وتحصل حقوقها، وتمنع الفساد، وتحافظ على البيئة، وتنقل المهارة، وتفتح السوق المنتج للعالم. أما الخوف المطلق من الاستثمار فيحبس البلد في الفقر، والانفتاح الساذج يتركه نهبًا لغيره. وبين الإغلاق والفوضى يوجد طريق ثالث: انفتاح منضبط، منتج، شفاف، يحترم حق الدولة والمستثمر والمواطن.

غير أن كل هذا التصور، من المناطق الاقتصادية الخاصة إلى جذب الاستثمار وربط الموارد بالتصنيع والتصدير، لا ينجح إذا بقيت البيئة العامة مختلة. فالمنطقة الخاصة ليست جزيرةً معزولة عن بقية الدولة، ولا تستطيع وحدها أن تعالج اضطراب العملة، وتعدد الجبايات، وضعف الأمن، وغموض القوانين، وبطء القضاء، وتعقيد الجمارك، وغياب الشفافية، وضعف البنية الأساسية.

لذلك فإن التمهيد الحقيقي لنجاح أي انفتاح اقتصادي يبدأ بإصلاح السياسات الكلية أولًا: سياسة مالية واضحة، وسعر صرف شفاف، وضرائب معلنة، وحرية قانونية لحركة الأموال، واستقرار في القوانين، ورقمنة للإجراءات، وحماية للعقود والملكية، ومحاربة للتهريب والاحتكار والفساد، وتأمين للطرق ومناطق الإنتاج. فإذا صلحت هذه البيئة، أصبحت المناطق الخاصة أداة تسريع للنهضة؛ أما إذا بقيت البيئة العامة فاسدة، تحولت إلى لافتات جميلة داخل واقعٍ يطرد الإنتاج.

وخلاصة هذه الحلقة أن الصين لم تنتقل من الريف إلى العالم عبر الفوضى، بل عبر تجارب محددة، ومناطق خاصة، وانفتاح محسوب، وربط الاستثمار بالإنتاج والتصدير والتعلم. والدرس للسودان واضح: لا يكفي أن نعلن مناطق اقتصادية، بل يجب أن نصلح البيئة العامة التي تعمل فيها، ثم نجعلها أنظمة إنتاج حقيقية حول الموارد السودانية، وأن نربطها بالزراعة والرعي والتعدين والموانئ، وأن نحمي حقوق المستثمر دون التفريط في حقوق الدولة، وأن نجعلها جسورًا بين المنتج المحلي والسوق العالمي.

وهذا هو الدرس الثالث في الطريق من فقر الصين إلى نهضة السودان: لا نهضة بلا انفتاح، ولا انفتاح ناجحًا بلا بيئة كلية صالحة، ولا كرامة بلا تنظيم، ولا استثمار بلا ثقة، ولا سيادة بلا قدرة. فإذا أراد السودان أن ينفتح، فليفتح أبوابه للإنتاج لا للنهب، وللتقنية لا للتبعية، ولرأس المال المشروع لا للفساد، وللمناطق الخاصة التي تصنع قيمة لا للواجهات التي تستهلك الأرض والوقت. حينها يصبح الانفتاح بابًا للنهضة، لا طريقًا جديدًا لاستنزاف الموارد.

وفي المقال القادم، ننتقل إلى سؤال التصنيع والتصدير: كيف تحولت الصين تدريجيًا إلى مصنع العالم، وما الذي يمكن أن يتعلمه السودان من ذلك في صناعة السمسم، والجلود، واللحوم، والزيوت، والمنتجات الزراعية، بدل أن يظل بلدًا يبيع الخام ويشتري القيمة من الخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى