
أصدر المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران المدني الأحد تحذيرات من مخاطر تفشي فيروس “هانتا”، داعيًا سلطات الطيران المدني إلى تشديد الإجراءات الاحترازية داخل المطارات، عبر تكثيف أعمال التعقيم، ومكافحة القوارض، و جاهزية الحجر الصحي، وتفعيل التنسيق مع وزارة الصحة ومنظمة الطيران المدني الدولي عبر آلية “الكابسكا”، بجانب تشديد الرقابة على الرحلات القادمة من الدول التي سجلت إصابات.
هذا التحذير المهم، الذي يعكس يقظة سلطات البلاد، يفرض أهمية اتخاذ التدابير الوقائية، إذ إن التحول في بنية إدارة المخاطر لدى دول العالم كافة أصبح أمرًا ملزمًا. فالأوبئة لم تعد أحداثًا طبية معزولة تُدار داخل المختبرات أو قاعات التقدير السياسي، بل غدت جزءًا من معادلة تتداخل فيها الصحة مع السياسة، والإعلام مع الأمن، والبيولوجيا مع الاقتصاد.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن فيروس هانتا ينتمي إلى مجموعة من الفيروسات التي تنتقل عبر القوارض، خاصة الفئران، من خلال افرازاتها الملوثة، وقد يصيب الإنسان عبر الاستنشاق أو ملامسة أسطح ملوثة. ورغم ندرة انتقاله بين البشر، فإن إدراجه ضمن التحذيرات الصحية يعكس تحولًا واضحًا في إدارة المخاطر الصحية عالميًا.
في السودان، ومن باب الواقعية في التعامل مع هذا المرض، يجب على الناس أن يبدوا الوقاية من القوارض داخل المنازل والأسواق قبل تدخل الجهات المختصة، عبر النظافة، والتخلص السليم من النفايات، وحفظ الأغذية في أوعية محكمة، وسد المنافذ التي تتسلل منها الفئران، إلى جانب رفع الوعي في المحال التجارية، واللجوء إلى المكافحة، وفق ضوابط صحية واضحة. فبهذه التدابير يتقلص الخطر وتُحفظ سلامة المجتمع.
المؤسف أنه في مطلع العام الجاري جرى تداول واسع لما يُعرف بخبراء التوقعات الشعبية، الذين يطلقون تنبؤات عامة حول أزمات صحية واضطرابات عالمية. غير أن القيمة التحليلية لهذه الظاهرة لا تكمن في صدقها أو خطئها، بل في كونها تعكس بنية نفسية وإعلامية تعيد إنتاج فكرة الخطر، وتُهيّئ الوعي الجمعي لتقبّل الاحتمال قبل تحوله إلى واقع.
وهنا لا نتحدث عن “نبوءة”، بل عن بيئة إعلامية، تُنتج سيناريوهات متعددة للمستقبل، يتداولها الجمهور بوصفها احتمالات راجحة ومع الزمن، تتداخل هذه السيناريوهات مع الوقائع الحقيقية، بما يخلق انطباعًا مضللًا عن قدرة هذا الخطاب على استباق الحدث، بينما هي في جوهرها جزء من اقتصاد الانتباه وإدارة القلق العام الذي تتحكم فيه بعض الجهات الخفية.
لقد كشفت جائحة كورونا من قبل عن نقطة تحول مركزية في هذا المسار. فالوباء لم يكن مجرد أزمة صحية، بل لحظة إعادة تعريف شاملة لوظيفة الدولة، وسيادتها، وسلاسل الإمداد، وآليات الحركة العالمية. انتقلت الأوبئة من كونها شأنًا طبيًا إلى كونها عاملًا بنيويًا في إعادة تشكيل النظام الدولي، وإعادة توزيع القوة بين الدول، وإعادة ضبط العلاقة بين الفرد والدولة.
من هنا لم يعد الخطر يُقاس فقط بمدى فتكه البيولوجي، بل بقدرته على التأثير في الرأي العام، وإعادة تشكيل السلوك الجمعي، وإحداث ارتدادات اقتصادية وسياسية تتجاوز المجال الصحي بكثير. وهذا التحول هو ما يجعل أي إشارة إلى فيروس جديد، جزءًا من بنية إدارة المخاطر العالمية.
وفي الحالة السودانية، تكتسب هذه المعادلة بعدًا أكثر حساسية وتعقيدًا. فالدولة التي تخرج من حرب أنهكت بنيتها الصحية والخدمية، لا تتعامل مع التحذيرات الصحية، كجزء من منظومة تهديدات ممتدة. إن ضعف الجاهزية الصحية في مثل هذا السياق لا يبقى داخل نطاق القطاع الطبي، بل يتحول إلى ملف سيادي يمس الأمن القومي مباشرة.
ومن هنا تبدو الإجراءات الاحترازية في المطارات والمعابر جزءًا من منظومة دفاع تتجاوز المفهوم التقليدي للأمن، لتشمل إدارة نقاط العبور في عالم تتداخل فيه البيولوجيا بالمعلومة وبأنماط الاستهداف غير المباشر.
ويكشف التاريخ أن الأوبئة الكبرى شكلت لحظات انعطاف في مسار الدول، فـالطاعون الأسود أعاد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا، والإنفلونزا الإسبانية أسهمت في إعادة ترتيب موازين النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى، بينما جاءت جائحة كورونا لتعيد تعريف الدولة، وتكشف هشاشة البنية العالمية أمام الصدمات المفاجئة.
ومن هذا الامتداد، يتضح وفق #وجه_الحقيقة أن الأوبئة مرآة تكشف بنية النظام العالمي، وأن الخوف أصبح أداة في إدارة السياسة الحديثة لتوجيه السلوك وصناعة الوعي. ومن الطاعون إلى كورونا وصولًا إلى هانتا، لا يكمن التحول في الفيروسات ذاتها، بل في طريقة استقبال العالم لها، حيث يُعاد تعريف الخطر وتتداخل السياسة مع الاقتصاد والإعلام، لتصبح الجاهزية الصحية جزءًا من منظومة الأمن وقوة الدولة الحديثة.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 12 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com





