مقالات

الصمت حين يتكلم

هدى الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتعلو فيه الأصوات، يظل الصمت مساحةً نادرة، تكاد تختفي من تفاصيل يومنا المزدحم. غير أن هذا الصمت، الذي يراه البعض فراغًا، هو في حقيقته مخزونٌ عميق من المعاني، ومرآةٌ صادقة تعكس عبق الذاكرة الإنسانية بكل ما تحمله من حنينٍ وألمٍ وأمل.
الذاكرة ليست مجرد أرشيفٍ للأحداث، بل هي كيانٌ حيّ

يتنفس داخلنا، يعيد تشكيل ملامحنا ويؤثر في قراراتنا، بل ويحدد أحيانًا نظرتنا للحياة. وعندما يلتقي هذا الامتداد الزمني بالصمت، تتولد حالة إنسانية خاصة، يصبح فيها التأمل أبلغ من الحديث، ويغدو الإحساس أعمق من أي تعبير لفظي.

في المجتمعات التي عاشت أزمنة صعبة، كما هو الحال في السودان، يكتسب الصمت دلالةً مختلفة. فهو ليس دائمًا علامة ضعف، بل قد يكون وسيلة مقاومة، أو لحظة مراجعة، أو حتى شكلًا من أشكال الصبر الجماعي. فكم من حكاياتٍ لم تُروَ، وكم من دموعٍ لم تُرَ، وكم من تفاصيلٍ اختارت أن تعيش في صمتٍ، حفاظًا على توازنٍ هشّ في واقعٍ مضطرب.

عبق الذاكرة في هذا السياق لا يقتصر على الفرد، بل يمتد ليشمل الوجدان الجمعي. في الأزقة القديمة، في البيوت التي غادرها أهلها، في المدارس التي صمتت فصولها، وفي الأماكن التي كانت تعج بالحياة، تختبئ ذاكرة وطنٍ بأكمله. هذه الذاكرة، رغم قسوتها أحيانًا، تظل مصدر قوة، لأنها تذكّر الناس بما كانوا عليه، وما يمكن أن يعودوا إليه.

الصمت هنا يتحول إلى لغةٍ غير منطوقة، يفهمها الجميع دون ترجمة. هو وقفة تأمل أمام الماضي، ومحاولة لفهم الحاضر، واستشرافٍ لمستقبلٍ أكثر وضوحًا. وفي كثيرٍ من الأحيان، يكون الصمت هو الخيار الأكثر حكمة، حين تصبح الكلمات عاجزة عن الإحاطة بحجم المشهد.

غير أن الصمت، إن طال، قد يتحول إلى عبء. فالتوازن مطلوب بين التأمل والتعبير، بين الاحتفاظ بالذاكرة ومشاركتها. لأن المجتمعات لا تتعافى بالصمت وحده، بل بالحوار، والاعتراف، وإعادة سرد الحكايات التي تشكل هويتها.

إن عبق الذاكرة، مهما كان مؤلمًا، يظل ضرورة إنسانية. فهو الذي يمنح التجارب معناها، ويحول اللحظات العابرة إلى دروسٍ باقية. أما الصمت، فهو المساحة التي نعيد فيها قراءة تلك التجارب، بعيدًا عن ضجيج العالم.

في النهاية، لا يمكن فصل الصمت عن الذاكرة، فهما وجهان لحقيقة واحدة: أن الإنسان، مهما حاول الهروب، يظل محكومًا بما عاشه، ومشدودًا إلى ما ترك أثرًا في قلبه. وبين عبق الذكريات وهدوء الصمت، تتشكل الحكاية… حكايتنا نحن.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى