
نشر صديقي عمار مقطع فيديو على صفحته في فيسبوك، يظهر فيه مقاتل يمضي في الصفوف الأمامية، عند النقطة الصفر لمرمى العدو، على أحد طرقات وسط الخرطوم، فيما كان قناص يتمركز أعلى سطح عمارة مطلة على ذات الطريق، يطلق رصاصه في ظل اشتداد المعارك والتحامها.
كان المشهد مشحونًا بكل ما يمكن أن تحمله لحظة واحدة من توتر وخطر. صوت أزيز الرصاص لا ينقطع، يخترق الهواء كإنذار دائم بالموت، والغبار يتصاعد من أثر الطلقات، بينما احتمى الجنود من حوله، كلٌّ يبحث عن ساتر يقيه ذلك المطر المعدني القاسي.
لكنه، وعلى خلاف الجميع، كان يمضي.
يمشي بخطى ثابتة، لا يسرع ولا يتباطأ، كأنما ضبط إيقاعه على شيء لا يُرى. لا يلتفت خلفه، ولا ينحني أمام الرصاص، وكأن الخطر الذي يملأ المكان لا يعنيه، أو كأنه تجاوزه من داخله قبل أن يتجاوزه في الواقع.
كان يتكئ على عصاه، في مشهد يعيد إلى الذاكرة صورة سيدنا موسى عليه السلام في الوادي المقدس طوى، حين تجلى له الله، وبدأت لحظة التكليف العظيمة، وحين سُئل: *{وما تلك بيمينك يا موسى}*، فأجاب: *{هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى}*.
لم تكن العصا في يد ذلك المقاتل مجرد أداة يتكئ عليها، بل بدت كأنها امتداد لثباته الداخلي. كان يضرب بها الأرض برفق، ويتحسس بها الطريق، يمررها بين الحجارة وركام التراب، وكأنه يقرأ المكان قراءة قديمة، أو يستدعي ذاكرة الطريق في لحظة لا تحتمل التردد.
كان يمضي كأن الطريق يعرفه، وكأن لكل خطوة فيه صدى من ماضٍ أو وعدًا بمستقبل. السماء فوقه مفتوحة على احتمالاتها، والطريق أمامه ممتد نحو المجهول، لكنه كان يسير بيقين لا يتزعزع.
في تلك اللحظة، لم يكن الصوت الأعلى هو صوت الرصاص، بل صوت الإيمان. إيمانٌ عميق بقضية، ويقينٌ بعدالة، وتسليمٌ كامل بأن النصر من عند الله وحده، وأن الأقدار تمضي كما كُتبت، لا كما نخشاها.
هكذا يكون الإنسان حين يبلغ هذا المقام من اليقين؛ يمضي ولو اشتد الخطر، ويثبت ولو تراجع من حوله الجميع. لا لأنه لا يخاف، بل لأنه اختار ألا يجعل الخوف قائده.
وربما، في مكانٍ ما على ذلك السطح، كان القناص يراقب المشهد بدهشة. يضغط الزناد مرارًا، ويرسل وابل الرصاص، لكن أمامه رجل يسير وكأنه خارج معادلة الخوف المعتادة. رجل لا ينكسر بالإيقاع الذي يكسر به الآخرون.
ذلك التباين وحده كفيل بأن يربك أي خصم؛ حين يواجه جسدًا يمكن إصابته، لكنه مسنود بإرادة لا تُرى.
أكتب هذه الكلمات حتى لا ننسى. لا ننسى أولئك الذين يقفون في تلك اللحظات بين الحياة والموت، ليصنعوا لنا مساحة من الأمان نعيش فيها. نكتب حتى تبقى هذه المشاهد حاضرة، لا كحكايات تُروى، بل كدروس تُفهم.
نكتب عن أرضٍ لا تزال، رغم كل شيء، تنبت رجالًا بهذا القدر من الثبات. أرضٍ تعلّم أبناءها أن الشجاعة ليست في غياب الخوف، بل في القدرة على تجاوزه، وأن الإيمان حين يسكن القلب، يصنع من الإنسان ما تعجز عنه كل الظروف.
السودان ليس مجرد مكان، بل حكاية مستمرة من الصمود، تتجدد في كل جيل، وتظهر في مثل هذه اللحظات التي تختصر معنى الإقدام كله في مشهد واحد.
لقد تناثرت معاني الشجاعة في خطوات ذلك المقاتل، الذي جعل هدفه فوق كل شيء، فلم يوقفه صوت، ولم يثنه خطر، ومضى كأنما يحمل في داخله يقينًا يكفي لعبور الرصاص نفسه.
أقصّ عليكم هذا المشهد، والحروف تقصر عن وصفه، فبعض اللحظات لا تُكتب، بل تُحس. ولو كتبنا فيها أعوامًا، لما وفيناها حقها.
عظّم الله شجاعة أهل السودان.





