
تأتي خواتيم شهر رمضان المعظم هذا العام والسودان يعيش واحدة من أكثر مراحله قسوةً وتعقيداًحيث لم تعد أيام الشهر الفضيل مجرد محطات للعبادة والسكينة فحسب بل تحولت إلى لحظاتٍ تختبر فيها الشعوب قدرتها على الصبر والثبات في وجه المحن ففي الوقت الذي تتعالى فيه تكبيرات المساجد وتزدحم الصفوف بالمصلين في صلاة التراويح والقيام لا تزال آثار الحرب الثقيلة تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية لتصنع مشهداً إنسانياً تختلط فيه مشاعر الألم برجاء الفرج
في العشر الأواخر من رمضان يعتاد المسلمون أن يعتكفوا في محراب الدعاء وأن يطرقوا أبواب الرحمة الإلهية بحثاً عن ليلة القدر تلك الليلة التي تتنزل فيها السكينة وتفتح فيها أبواب الرجاء لكن السودانيين هذا العام يستقبلون هذه الليالي بقلوبٍ مثقلةٍ بتجارب الحرب حيث أصبح الدعاء أكثر حرارة والرجاء أكثر عمقاً والدمعة أقرب إلى العين فكل بيت في السودان تقريباً قد مسّه شيء من وجع هذه الحرب إما بفقد عزيز أو بنزوحٍ قاسٍ أو بقلقٍ دائم على مستقبل البلاد
ومع ذلك وبرغم قسوة المشهد تكشف خواتيم رمضان عن واحدة من أجمل صور المجتمع السوداني صورة التماسك
والتكافل التي تزداد إشراقاً كلما اشتدت المحن ففي الأحياء التي ما تزال تنبض بالحياة وفي القرى التي فتحت أبوابها لاستقبال النازحين تتجدد موائد الإفطار الجماعية التي تجمع الناس حول لقمة بسيطة لكنها مفعمة بروح المحبة شباب يتطوعون لخدمة الصائمين ونساء يقدن مبادرات إنسانية لإطعام المحتاجين وأيادٍ خفية تعمل بصمت لتخفيف معاناة الآخرين
هذه المشاهد ليست مجرد تفاصيل عابرة في شهر الصيام بل هي تعبير صادق عن روح المجتمع السوداني الذي ظل عبر تاريخه الطويل قادراً على تحويل الشدائد إلى فرصٍ للتراحم والتكاتف وكأن رمضان في خواتيمه يذكّر الناس بأن القوة الحقيقية للأوطان لا تكمن فقط في العتاد والسلاح بل في وحدة قلوب أبنائها وإيمانهم المشترك بمصير واحد
في المقابل لا يمكن تجاهل الوجه الآخر للحرب في هذه الأيام المباركة فهناك آلاف الأسر التي تعيش رمضان بعيداً عن بيوتها بعدما دفعتها نيران الصراع إلى النزوح بحثاً عن الأمان وهناك أطفال يكبرون قبل أوانهم وهم يشهدون قسوة الأحداث من حولهم وهناك أمهات ينتظرن عودة أبنائهن من الجبهات أو يرفعن أكف الدعاء أن يحفظهم الله من كل سوء
أما الجنود المرابطون في ميادين القتال فلهم حكاية مختلفة مع رمضان فهم يصومون في ظروف قاسية ويقضون ليالي الشهر الكريم بعيداً عن دفء العائلة ومائدة الإفطار الجماعية ومع ذلك يواصلون أداء واجبهم في حماية الوطن مدفوعين بإيمانٍ راسخ بأن الدفاع عن الأرض والعرض مسؤولية لا تقبل التراجع في خنادقهم تتلاقى روح الجندية مع روح الإيمان ويصبح الصبر عبادةً أخرى تضاف إلى عبادة الصيام
ورغم كل هذه التحديات تظل العشر الأواخر من رمضان لحظة مراجعة عميقة للذات الوطنية ففي ليالي القيام الطويلة حيث يسكن الليل وتعلو أصوات الدعاء يجد كثير من السودانيين أنفسهم أمام سؤالٍ كبير كيف يمكن للوطن أن يخرج من هذه المحنة أكثر قوةً ووحدة؟ وكيف يمكن تحويل الألم الذي خلفته الحرب إلى درسٍ يعيد بناء المجتمع على أسس أكثر صلابة وعدلاً؟
إن روح رمضان في خواتيمه تحمل رسالة واضحة لكل الشعوب التي تمر بالمحن أن الظلام مهما طال لا بد أن يعقبه فجر وأن الصبر ليس استسلاماً بل هو الطريق نحو الانتصار الحقيقي فالأمم التي تعرف كيف تحافظ على قيمها الإنسانية في زمن الحرب هي الأمم التي تملك القدرة على النهوض بعد انتهاء العواصف
وفي السودان اليوم تبدو هذه الحقيقة جلية في كل تفاصيل الحياة فالمساجد التي تعج بالمصلين والبيوت التي لا تزال تصر على إحياء تقاليد الإفطار الجماعي والمبادرات المجتمعية التي تنتشر في كل مكان كلها دلائل على أن روح هذا الشعب ما تزال حيّة وأن جذوة الأمل لم تنطفئ رغم قسوة الظروف
مع اقتراب وداع الشهر الكريم يقف السودانيون على أعتاب العيد بقلوبٍ تختلط فيها المشاعر فهناك حزنٌ على ما مضى من أيام صعبة وقلقٌ مما قد تحمله الأيام القادمة لكن هناك أيضاً إيمانٌ عميق بأن الله لا يضيع صبر الصابرين وأن دعوات الصائمين في هذه الليالي المباركة يمكن أن تفتح أبواباً للفرج لم تكن في الحسبان
فاصلة
إن خواتيم رمضان ليست مجرد نهاية لشهر الصيام بل هي لحظة أمل كبرى تتجدد فيها العهود بين الإنسان وربه وبين المواطن ووطنه وهي لحظة يدرك فيها الجميع أن السودان رغم جراحه العميقة ما يزال قادراً على النهوض من تحت الركام إذا تمسك أبناؤه بوحدتهم وإيمانهم ومستقبلهم المشترك.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتمناه السودانيون وهم يودعون رمضان هذا العام أن تكون هذه الليالي المباركة بدايةً لمرحلة جديدة يطوى فيها سجل الحرب وتشرق فيها شمس السلام على وطنٍ أنهكته المعارك لكنه لم يفقد أبداً قدرته على الحلم
اللهم أمنا في اوطاننا





