مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (29 من 29): ما بعد رمضان… كيف نحافظ على البناء؟

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ينقضي رمضان سريعًا، لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعده. ليس: كيف صمنا؟ بل: ماذا تغيّر فينا؟ فالشهر ليس محطة عابرة، بل هو دورة تربية مكثفة، والاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المعسكر.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[الحجر: 99]

فالعبادة ليست موسمًا ينتهي، بل طريقٌ ممتد ما دام في العمر بقية. وما كان لله في رمضان، ينبغي أن يبقى لله بعد رمضان، وإن اختلفت الصورة وخفَّت الوتيرة.
وقد قال بعض السلف:
“بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان”.
وقال الإمام ابن رجب رحمه الله:
“من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد انقضى، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت”.

البناء الذي تحقق خلال الشهر—من ضبط للنفس، وتهذيب للسان، وتنظيم للوقت، وتوثيقٍ للصلة بالله—إن لم يُحفظ، بدأ في التآكل تدريجيًا. فالنفس لا تنتكس غالبًا دفعةً واحدة، ولكنها تنحرف شيئًا فشيئًا.
ومن جهة الواقع، فإن ما تشير إليه دراسات السلوك المعاصرة من أثر “الاستمرار بعد التدريب” يتقاطع مع هدي الشريعة؛ إذ إن التكرار المعتدل هو الذي يُرسِّخ العادات ويُحوِّلها إلى طبعٍ مستقر، بخلاف الانقطاع المفاجئ الذي يُضعف الأثر سريعًا.

ولهذا جاء التوجيه النبوي الدقيق:
قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (متفق عليه).
فليست العبرة بكثرة العمل في زمنٍ محدود، بل بثبات العمل على امتداد الزمن.
الحفاظ على البناء لا يعني استمرار نفس الشدة التي كانت في رمضان، فذلك مما قد يشق على كثير من الناس، وإنما المقصود استمرار الاتجاه. فليس المطلوب قيام الليل كله، بل ركعات ثابتة لا تُترك. وليس المطلوب إنفاقًا استثنائيًا، بل عادة عطاء مستمرة. وليس المطلوب ختمات متتابعة، بل وِردٌ لا ينقطع.

قال الإمام الشافعي رحمه الله:
“أحبّ أن يكون للعبد وِردٌ من الخير لا يتركه”.
ومن لطائف المعنى أن رمضان لم يُفرض ليكون غايةً في ذاته، بل ليكون وسيلةً لإحياء التقوى، كما قال تعالى:
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[البقرة: 183]
فهو إعادة ضبطٍ للبوصلة، وبرهان عملي على أن التغيير ممكن، وأن النفس قابلة للتهذيب متى وُجِّهت وأُخذت بالحزم والرفق.

 

وبناء الإنسان لا يكتمل في شهر، لكنه قد يبدأ بدايةً صادقة فيه. ومن ذاق لذة القرب، لا يسهل عليه أن يعود إلى الغفلة التامة، وإن وقع منه تقصير أو فتور.
قال بعض الحكماء:
“من لم يثبت على القليل، لم يثبت على الكثير”.
ما بعد رمضان هو مرحلة الاختيار الواعي:
هل نعود كما كنا، أم نحمل معنا ما بنيناه؟
هل يبقى القرآن رفيقًا يوميًا ولو بقدر يسير؟
هل تبقى المراقبة حيّة، ولو خفَّت الوتيرة؟
إن أعظم ما يُخشى على العمل ليس نقصه، بل انقطاعه. وأصدق دليل على قبول الطاعة—كما ذكر أهل العلم—أن يُوفَّق العبد لطاعة بعدها.

قال الحسن البصري رحمه الله:
“إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها”.
رمضان علّمنا أن في داخلنا قدرةً حقيقية على التغيير، وأن الإنسان ليس أسير عاداته إلى الأبد، بل يستطيع أن يعيد تشكيل نفسه متى صدقت نيته، واستمر فعله، واستعان بربه.

فهل يكون ختام الشهر نهاية موسم، أم بداية مسار؟
وهل نغادر المدرسة حاملين أثرها في سلوكنا، أم نغادرها تاركين كتبها خلفنا؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى