مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (26 من 29): العبودية التي تصنع الحرية

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ليست المشكلة أن يكون الإنسان عبدًا، بل لمن تكون عبوديته. خلق الله الإنسان لعبوديته وحده، وجعل في هذه العبودية سرَّ حريته الحقيقية. فالقلب إذا خضع لله تحرر من كل ما سواه، وإذا فقد هذه العبودية وقع – شاء أم أبى – في عبودية غيره. ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾.

فإسلام الوجه لله ليس قيدًا على الإنسان، بل هو الطريق الذي يتحرر به القلب من التفرق بين الأهواء.
وقد لا يسجد الإنسان لصنم من حجر، لكنه قد يسجد لرغبة، أو لمال، أو لصورة ذهنية عن ذاته. ولهذا قال الله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
وهذه الآية تكشف حقيقة دقيقة في طبيعة الإنسان؛ فالقلب لا يبقى بلا معبود، وإنما ينتقل من معبود إلى آخر. فمن لم يجعل مرجعيته لله جعلها لهواه، ومن لم ينقد للوحي انقاد لرغباته.

وقد عبّر العلماء عن هذه الحقيقة بعبارات موجزة بليغة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
“العبد كلما كان لله أعبد كان لغيره أحرر.”
وقال ابن القيم:
الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب.”
ولهذا فإن العبوديات في عصرنا لم تختفِ، وإنما تغيّرت صورها. فهناك عبودية الاستهلاك، حيث تُقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما هو عليه. وهناك عبودية الصورة، حيث يعيش الإنسان أسير نظرة الآخرين إليه. وهناك عبودية

العادة، حيث تتكرر الأفعال بلا وعي. وهناك عبودية الشهوة، حيث يقود الجسد العقل بدل أن يقوده العقل.
ولهذا فإن كثيرًا من الناس يظنون أنفسهم أحرارًا، بينما هم في الحقيقة أسرى لرغباتهم أو لآراء الآخرين. فالإنسان قد يظن أنه يختار، بينما هو في الواقع يستجيب لضغوط خفية من الشهوة أو العادة أو المجتمع.
رمضان يكشف هذه القيود الخفية. حين يمتنع الصائم عن الطعام وهو قادر عليه، يكتشف أن الرغبة ليست سيدًا مطلقًا. وحين يقلل من انشغاله بالماديات، يدرك أن قيمته لا تُختصر في مقتنياته.

وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى حين قال:
«تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم».
فسماه عبدًا، لأن من قدّم المال على المبدأ فقد شيئًا من حريته، وصار أسيرًا لما يملك.
ومن منظور نفسي أيضًا، فإن الإنسان الذي يخضع لاندفاعاته دون ضبط يفقد تدريجيًا القدرة على قيادة قراراته، أما الذي يتعلم الانفصال الواعي عن رغباته فإنه يستعيد زمام نفسه.
والتحرر لا يعني رفض النعمة، ولا اعتزال الحياة، بل وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة. فالمال وسيلة لا غاية، والشهرة أثر لا هدف، والرغبة طاقة لا سيّد.

ومن لطائف المعنى أن كلمة “العبد” في القرآن تحمل أعظم شرف حين تُنسب إلى الله، كما في قوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾،
بينما تحمل الذل حين تُنسب إلى غيره.
فالعبودية لله كرامة؛ لأنها تحرر الإنسان من كل عبودية سواه.
وقد ضرب القرآن مثلًا بليغًا لهذه الحقيقة فقال تعالى:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾.

فالقلب إذا توزّع بين أهواء متعددة عاش في صراع دائم، أما إذا اتجه إلى الله وحده استقام وتحرر.
والحقيقة التي يكشفها القرآن وتجارب البشر معًا هي أن الإنسان لا يهرب من العبودية، بل يختار سيده؛ فمن لم يكن عبدًا لله كان عبدًا لشيءٍ آخر.
وقد عبّر الإمام ابن القيم عن هذه الحقيقة ببيتين بليغين فقال:
هربوا من الرقِّ الذي خُلقوا له
فابتُلوا برقِّ النفس والشيطان

فالإنسان حين يهرب من عبودية الله لا ينجو من العبودية، بل يستبدل العبودية العليا بعبوديات أدنى: عبودية الشهوة، أو عبودية المال، أو عبودية الصورة، أو عبودية رضا الناس.
ومن هنا نفهم سر التربية في رمضان. فالصائم يترك ما يشتهي وهو قادر عليه، لا لأن أحدًا يمنعه، بل لأنه اختار أن يكون عبدًا لله. وفي هذا الاختيار يبدأ التحرر الحقيقي؛ لأن من ملك شهوته ملك نفسه، ومن ملك نفسه صار سيد قراره.
والعجيب أن أعظم لحظة حرية يعيشها الإنسان هي لحظة سجوده لله؛ ففي تلك اللحظة التي يضع فيها جبهته على الأرض يتحرر قلبه من الخضوع لكل ما سواه.

ولهذا فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل تدريب عملي على تحرير القلب من قيود الهوى، واستعادة سيادة الإنسان على نفسه تحت هداية الله.
فمن تعلّم في رمضان أن يقول لشهوته: لا، استطاع بعده أن يقول للهوى: قف، وللإغراء: لن أقاد.
فالإنسان لا يصير حرًا حين يفعل ما يشاء، بل حين يملك نفسه فلا تملكه.

وهنا يعود السؤال الذي يطرحه رمضان على كل قلب:
هل نخرج من هذا الشهر وقد تعلّمنا سر الحرية الحقيقية: أن نكون عبادًا لله وحده؟
أم نعود بعده إلى عبودياتنا القديمة، نظن أنفسنا أحرارًا ونحن في أسر الهوى والعادة ونظرات الناس؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى