مقالات

اشتياق الكناني تكتب | قصاصات متفرقة | رمضان والخرطوم… حين يعود الضوء من بين الركام

يأتي رمضان كل عام كنسمةٍ ربانية تهبّ على القلوب فتغسل عنها غبار الأيام، ويأتي كترتيبٍ إلهي لفوضى أرواحنا، وكاستراحةٍ طويلة من ضجيج الحياة. في رمضان تتصالح النفوس مع نفسها، وتلين القلوب بعد قسوة، وتسمو الأرواح فوق تفاصيلها الصغيرة. غير أن رمضان في وجدان السودانيين لم يعد مجرد شهرٍ للعبادة والسكينة، بل صار موعدًا للذاكرة الثقيلة، ومرآةً لوجعٍ لم يندمل منذ ذلك السبت الأغبر الذي اشتعلت فيه الحرب، فاختلط صوت الأذان بدويّ الرصاص، وارتجف الفجر على وقع الخوف.

منذ ذلك اليوم، فقد رمضان شيئًا من طمأنينته في البيوت السودانية. ثلاث سنواتٍ مرّت كأنها دهر، والسودانيون يفتقدون روح الشهر ونكهته؛ لا لأن الإيمان غاب، ولكن لأن القلوب كانت مثقلة بالفقد، والأرواح مشغولة بترميم ما تهدّم في الداخل قبل الخارج. صار الإفطار يُقام أحيانًا على عجل، والسحور يُتناول على قلق، والدعاء يمتد طويلًا بحثًا عن أمانٍ غاب.

لكن هذا العام مختلف.
يأتي رمضان والخرطوم تعود… تعود لا كما كانت تمامًا، بل بروحٍ حزينةٍ تعرف الفقد جيدًا، لكنها لم تستسلم. تعود وهي تفتقد أبناءها الشهداء الذين ارتقوا، والمفقودين الذين غابوا، والجرحى الذين حملوا على أجسادهم ذاكرة الألم، واللاجئين والنازحين الذين توزّعت خطواتهم في بقاع الأرض. تفتقدهم جميعًا، كأمٍّ تعدّ أبناءها فلا تجدهم مكتملين حول مائدتها. ومع ذلك، تقاوم لتبقى، وتنهض لتزدهر، وتعلن في صمتٍ مهيب أن الحياة لا تُهزم بسهولة.

في هذا الرمضان، يعود صوت شيخ الزين من سيدة سنهوري، يتردّد في الأفق كأنه يوقظ ذاكرة المدينة. صوتٌ تعرفه جدران المسجد، وتحفظه الأزقة، وتألفه مسامع الناس منذ سنين. يعود الصوت فيحمل معه الطمأنينة، كأنما يقول للخرطوم: ما زال فيك نبض، وما زال فيك دعاء، وما زال الفجر يجد طريقه إليك.

وتعود إفطارات الأحياء، تلك اللوحات التي لا يشبهها شيء. تمتد الموائد في الشوارع، ويتزاحم الناس بمحبة، يتقاسمون التمر والماء والضحكة والدعاء. هناك، لا يُسأل المرء من أين جاء، ولا ماذا فقد، بل يكفي أنه سوداني يجلس بين أهله. في تلك اللحظات، تتراجع آثار الحرب قليلًا، ويعلو صوت التكافل، ويصبح التضامن فعلًا يوميًا لا شعارًا. يسند الناس بعضهم بعضًا، يواسي بعضهم بعضًا، وينفضون عن بيوتهم غبار الخراب، ويعمرون الأرض لأنها أرضهم، ولأنهم يؤمنون أنها ستظل لهم إلى يوم يُبعثون.

الخرطوم، رغم حزنها، ما زالت قادرة على أن تلمّ شتات أبنائها. كأنها تمسح عنهم رهق التعب، وتجفف دموع الحزانى، وتربت على أكتاف المكلومين. في شوارعها التي عرفت الضجيج يومًا، يعود صوت الحياة رويدًا رويدًا. في بيوتها التي أغلقتها الحرب، تضاء المصابيح من جديد. في مساجدها، تصطف الأقدام في صلاة التراويح، ويختلط البكاء بالدعاء، وتعلو الأكفّ إلى السماء ترجُو سلامًا دائمًا لا هدنة عابرة.

رمضان هذا العام ليس فقط شهر صيام، بل شهر استعادة. استعادة للروح، واستعادة للمدينة، واستعادة لمعنى الجماعة الذي حاولت الحرب أن تمزّقه. إنه إعلان صامت بأن السودانيين، مهما تفرّقوا، تعود بهم القلوب إلى نقطة واحدة: وطنٌ يستحق الحياة، وأرضٌ تستحق أن تُعمَر، وذاكرةٌ تستحق أن تُصان.

قد لا تعود الأشياء كما كانت تمامًا، فالزمن لا يرجع إلى الوراء، لكن الإنسان قادر على أن يصنع من الألم بدايةً جديدة. والخرطوم، وهي تستقبل رمضان، تبدو كأنها تقول لأبنائها في الداخل والخارج: سأبقى لكم، فابقوا لي. سأظل أرضًا للأمن والأمان والسلام، ما دمتم تؤمنون بي وتؤمنون بأنفسكم.

هكذا يعود رمضان… لا ليمحو الحزن، بل ليمنحه معنى. لا لينسينا الفقد، بل ليعلّمنا كيف نعيش بعده. يعود شاهدًا على أن الروح السودانية، مهما أثقلتها الجراح، قادرة على النهوض، وقادرة على أن تحوّل الدموع دعاءً، والخراب عمرانًا، والحزن أملًا لا ينطفئ.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى