رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (6 من 29): التوبة… بداية الإنسان من جديد
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

لا يُبنى الإنسان وهو مثقل بالأمس. فالأخطاء إذا تراكمت صنعت في القلب ثِقلاً، وفي النفس انكسارًا، وفي الطريق تعثرًا. ولهذا كانت التوبة ليست مجرد تصحيح خطأ، بل بداية جديدة واستئنافًا صادقًا للطريق.
يقول الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
إنها آية رجاء كبرى تفتح الباب لمن ظن أن الأبواب أُغلقت. فالله لا يخاطب فيها الطائعين، بل المسرفين، ولا يدعوهم إلى جلد الذات، بل إلى العودة.
غير أن القرآن لا يقف عند حد المغفرة، بل يرتقي بالمعنى إلى ما هو أعمق. يقول سبحانه:
﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.
هنا لا نتحدث عن محوٍ فقط، بل عن معنى زائد على مجرد الإسقاط. فالتبديل وعدٌ لمن صدق في توبته، فتحوّل الذنب من عبءٍ يُثقِل إلى دافعٍ يُصلِح.
فالمغفرة سترٌ ومحو، وأما التبديل فهو تحوّل نوعي في الأثر. قد يُبدَّل في الصحيفة يوم القيامة، وقد يُبدَّل في القلب فيتحول ميل المعصية إلى ميل طاعة، ويتحول الضعف إلى قوة، ويتحول الانكسار إلى إخلاص.
التوبة إذن ليست هروبًا من الماضي، بل تحويل أثره إلى طاقة إصلاح. ليست تجاهلًا للخطأ، بل اعترافًا به ثم تصحيحًا لمساره.
قال النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية، لكن الإصرار هو الذي يهدم البناء. أما الرجوع، فهو الذي يعيد التوازن.
وفي رمضان تتهيأ النفوس لهذا التحول. يصفو القلب بالصيام، ويلين بالقيام، ويتواضع بالدعاء. فتأتي لحظة صدق يقول فيها الإنسان: لقد أخطأت… وأريد أن أبدأ بداية حقيقية.
ومن لطائف أهل العلم أن الذنب إذا أورث انكسارًا صادقًا كان أقرب إلى النجاة من طاعة أورثت عجبًا. فالعبرة ليست بكثرة العمل، بل بصدق القلب.
من منظور نفسي، فإن الاعتراف بالخطأ ثم الشروع في الإصلاح يمنح الإنسان طاقة تحرر عظيمة. فالشعور بالذنب إذا تُرك بلا معالجة يتحول إلى عبء، أما إذا وُجّه إلى توبة صادقة، أصبح دافعًا للنمو.
التوبة عملية إعادة بناء: ندم صادق، وإقلاع حاسم، وعزم مستمر، وتعويض عملي. ليست دمعة عابرة، بل قرار تغيير.
وفي رمضان تتضاعف فرص هذا الاستئناف. كأن الشهر كله رسالة تقول: مهما كان ما مضى، يمكنك أن تتحول. ليس فقط أن يُمحى الذنب، بل أن يتحول المسار إلى أصلح.
إن بناء الإنسان لا يكتمل إلا بقدرته على تصحيح مساره. فالذي لا يملك شجاعة التوبة، لا يملك شجاعة التغيير. والذي لا يؤمن بإمكان التحول، يظل أسير ماضيه.
فهل يكون رمضان تعبدا مؤقتًا، أم بداية تحول عميق يُصحَّح فيه المسار؟





