رسائل إلى السيد الرئيس عبد الفتاح البرهان المجلس التشريعي وتجنب قيام مظاهرات شعبية غاضبة
صديق البادي يكتب |

شهد السودان قيام المجلس الاستشاري لشمال السودان في عام ١٩٤٤م ومن اسمه يتضح أن جنوب السودان عزل عنه ولم يشرك فيه وصلاً لتنفيذ سياسة فرق تسد الإستعمارية وكان عدد أعضاء المجلس محدوداً وقاصراً على قلة من الموظفين وقلة من رجال الإدارة الأهلية. ومنذ افتتاحه وحتى حله لم يعقد إلا بضع جلسات. وفي عام ١٩٤٨م أعلن عن قيام الجمعية التشريعية وقامت ضدها مظاهرات في
مدينة عطبرة وغيرها. والسيد إسماعيل الأزهري استقال من وزارة المعارف في عام ١٩٤٦م بعد أن رفض تنفيذ نقله لمدرسة حنتوب الثانوية وتفرغ للعمل السياسي وقال قولته الشهيرة عن الجمعية التشريعية سنرفضها حتى لو جاءت مبرأة من كل عيب وتم اعتقاله ضمن آخرين. وبعد تكوين الجمعية التشريعية عين أربعة وزراء وأصبحوا أعضاء في مجلس الحاكم العام الذي كان يضم بجانبهم السكرتير الإداري مستر روبرتسون عراب قيام الجمعية التشريعية
والسكرتير المالي والسكرتير القضائي… الخ والوزراء الذين عينوا في عام ١٩٤٨م هم: الأميرلاي عبد الله بك خليل وزير الزراعة، والأستاذ عبد الرحمن على طه وزير المعارف، ودكتور علي بدري وزير الصحة ،وعين الشيخ محمد أحمد أبو سن (أكمل الصف الثاني بكلية كتشنر الطبية) وزيراً بلا أعباء، ويحضر الإجتماعات في مجلس الحاكم العام ضمن الوزراء الآخرين. واستقال من الجمعية التشريعية في عام ١٩٥٠م ثلاثة من أعضائها هم الأستاذ محمد أحمد محجوب
، والأستاذ أحمد يوسف هاشم، والأستاذ صالح عبد القادر.وكان يوجد تياران في الساحة السياسية أحدهما ينادي باستقلال السودان والآخر ينادي بالوحدة أو الإتحاد مع مصر. وقدم في الجمعية التشريعية اقتراح بإقامة حكم ذاتي ليقرر السودانيون بعد ذلك بالاستفتاء ما يريدونه، وكادت تتساوى أصوات المؤيدين وأصوات المعارضين، لهذا المقترح ولكن صوت عضو الجمعية التشريعية السيد عبيد حاج الأمين هو الذي رجح كفة المؤيدين لهذا المقترح ،الذي بموجبه أجريت انتخابات لإقامة البرلمان الأول في أواخر عام ١٩٥٣م وأفتتح البرلمان في أوائل عام ١٩٥٤م وأنتخب السيد إسماعيل الأزهري،السيد اسماعيل الأزهري رئيسا للوزراء، ويقابله في الكفة الأخرى السيد محمد أحمد
محجوب زعيما للمعارضة. وفي اليوم التاسع عشر من شهر ديسمبر عام ١٩٥٥م اتفق الطرفان بالإجماع على استقلال السودان دون اللجوء لإجراء استفتاء، وأعلن الاستقلال رسمياً في اليوم الأول من شهر يناير عام ١٩٥٦م..وشهد السودان بعد ذلك قيام عدة برلمانات بمسميات مختلفة في شتى عهود الحكم المتعاقبة، ولا يتسع المجال للخوض في التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، وأكتفي هنا بالقول: إن السودان شهد في عام ١٩٩٢َ قيام برلمان أطلق عليه اسم المجلس الوطني في عهد الإنقاذ السابق, وكل أعضائه كانوا معينين ولم يكن بينهم نائب واحد منتخب. وفي عام ٢٠٠٥م
بعد توقيع اتفاقية نيفاشا شهد السودان إقامة برلمان يحمل أيضا اسم المجلس الوطني استمر حتى عام ٢٠١٠َم، وكل أعضائه كانوا معينين ولم يكن فيه نائب واحد منتخب أيضا.
والآن فإن البلاد على أعتاب تشكيل مجلس تشريعي انتقالي يكون كل أعضائه معينين. والفترات الإنتقالية السابقة لم تكن فيها مجالس تشريعية. والفترة الإنتقالية بعد ثورة أكتوبر عام ١٩٦٤م كان عمرها سبعة أشهر فقط ولم يكن فيها مجلس تشريعي.
والفترة الإنتقالية بعد انتفاضة أبريل ١٩٨٥م كان عمرها عام واحد فقط ولم يكن فيها مجلس تشريعي.
والفترة الإنتقالية الحالية بلغ عمرها حتى الآن ستة أعوام وعشرة أشهر وستمتد أكثر حتى إنتهاء الحرب وترتيب ما بعد إنتهائها. ولابد من وجود مجلس تشريعي إنتقالي لمراقبة الأداء التنفيذي للدولة بكل مؤسساتها الحكومية بكل وزاراتها وأجهزتها مع المراقبة الصارمة للأداء المالي الذي
يقتضي وجود وزير دولة في وزارة المالية يكون مسؤولاً عن الإيرادات كلها الواردة لخزينة الدولة (عائدات مبيعات الذهب والثروة الحيوانية وكافة المنتجات الزراعية والجمارك والضرايب،والقروض والمنح ،،،،الخ). مع ضرورة تعيين وزير دولة بوزارة المالية يكون مسؤولاً عن الميزانية وكيفية صرفها وتوزيعها وفق أسس عادلة وضوابط صارمة. وظروف الحرب مقدرة وتقتضي أن يكون لها وضعها المميز في الميزانية شريطة ألا تتخذ شماعة ومبرراً لعدم المراجعة والمتابعة والمحاسبة المالية والمراقبة الصارمة.
والبلاد الآن ظروفها الأمنية لا تسمح بإجراء إنتخابات وفوق ذلك فإن الأحزاب كلها وبلا استثناء غير قادرة وغير مستعدة لإجراء أية إنتخابات وعليها أن تنصرف في الفترة الانتقالية لبناء وتنظيم نفسها وإقامة تحالفات قوية بين المتقاربين فكرياً مع إنهاء مهزلة وجود أكثر من مائة حزب. وتقتضي الضرورة أن يحدث تمهل وتريث في تكوين المجلس التشريعي باختيار وانتقاء الخبراء والمختصين في كل لجنة من لجان المجلس المتخصصة ،ليشكلوا في مجملهم مجلساً من العقلاء والحكماء والخبراء مع مراعاة التمثيل الجهوي، وتمثيل المرأة ،مع التمثيل النوعي لمناشط المجتمع في الرياضة والثقافة والإدارة الأهلية… الخ، أما إذا ترك الحبل
على القارب وترك المجال للمتصارعين والمتنابذين بالألقاب (قحاتة وفلول) والأحزاب مهترئة ممزقة وتجمعات وكيانات سياسية وهمية لا وجود لها في الواقع ووسط القواعد وحركات مسلحة تريد(بالفهلوة) أن تعامل وكأنها أحزاب سياسية وتسعى لأن يكون لها وجود معتبر في المجلس التشريعي، وإذا حدث هذا فإنه قطعاً وبكل تأكيد سيؤدي
لفتنة وغضب شعبي عارم يتحول لمظاهرات هادرة غاضبة تعم أرجاء البلاد وتؤدي إلى فوضى تستغلها قوى الشر الأجنبية لتصب الزيت على ما تبقى من نار الحرب التي كادت تهمد وتخمد ،لتتقد مرة أخرى. والحذر واجب مع ضرورة التمهل والتريث في تكوين المجلس التشريعي الإنتقالي (ودرب السلامة لي الحول قريب).





