مقالات

 نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (21 من 26): الشراء الجماعي… تخفيض التكاليف فورًا

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

 تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن.
كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار. إذا كان الصندوق الدوّار يمنح القرية قدرةً على التحرك عند الحاجة، فإن الشراء الجماعي يمنحها قدرةً أخرى لا تقل أهمية، وهي خفض الكلفة من أصلها. فكثير من المجتمعات القروية تخسر جزءًا معتبرًا من عائدها لا لأن الإنتاج ضعيف بالضرورة، بل لأن كل فرد فيها يشتري وحده، بكميات قليلة، وأسعار أعلى، وشروط أضعف، وجودة غير مضمونة في كثير من الأحيان.
وهنا لا تكون المشكلة في المال وحده، بل في تفكك القرار الشرائي. ومن هنا فإن الشراء الجماعي ليس مجرد إجراء تنظيمي مريح، بل هو أداة اقتصادية مباشرة لتقليل المصروفات وتحسين شروط النشاط. فالقرية التي تتوزع طلباتها على أفراد متفرقين، يدفع كل واحد منهم ثمنًا أعلى، ويتحمل كلفة نقل مستقلة، ويقع تحت تفاوض أضعف، هي قرية تستنزف نفسها بصمت. أما إذا جُمعت الحاجات المتقاربة، ووُحد وقت الشراء، وتحدد المطلوب بدقة، فإن جزءًا من الكلفة يهبط فورًا دون أي زيادة في الإنتاج. وهذا الباب من أوضح الأبواب التي يتجلى فيها أثر التنظيم.
لأن خفض الكلفة هنا لا يحتاج دائمًا إلى تقنيات جديدة، ولا إلى تمويل ضخم، بل قد يبدأ من سؤال بسيط: ما الذي نشتريه متفرقين، ولو اجتمعنا عليه لانخفض ثمنه؟ هل هي البذور؟ أم الأعلاف؟ أم العبوات؟ أم بعض الأدوات؟ أم المدخلات الزراعية أو البيطرية؟ أم حتى خدمات النقل في بعض الأحوال؟ فهذه الأسئلة تكشف سريعًا أن جزءًا من الخسارة ليس في أصل النشاط، بل في طريقة تزويده باحتياجاته. لكن الشراء الجماعي لا ينجح لمجرد أن الناس اشتركوا في الشراء، بل ينجح إذا بُني على وضوحٍ وانضباط. فلا بد من تحديد الكميات المطلوبة بدقة، ومعرفة المواصفات، وضبط مواعيد الطلب، والاتفاق على طريقة السداد، وتوثيق الحركة، حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى أو سوء فهم أو نزاع. فكلما زاد الغموض في هذه العملية، ضعفت الثقة، وربما ضاع منافعها في خلافات كان يمكن تجنبها بسهولة.
ومن أعظم فوائد الشراء الجماعي أنه لا يخفض السعر فقط، بل قد يحسن جودة ما يُشترى أيضًا. لأن الفرد حين يشتري وحده قد يقبل بما يُعرض عليه، أو قد يعجز عن التحقق من الجودة، أو يضطر إلى بديل ضعيف لعدم توافر الكمية المناسبة. أما حين تُجمع الطلبات، فإن القدرة على تحديد المواصفات والاختيار والتحقق تكون أفضل، ويقل احتمال الوقوع في مدخلات رديئة أو غير مناسبة. كما أن الشراء الجماعي يخفف من أثر تقلب السوق على الأفراد الأضعف. فالفرد الصغير في العادة أقل قدرة على مواجهة ارتفاع الأسعار أو نُدرة بعض المدخلات، بينما تمنح القوة الجماعية القرية قدرة أفضل على التفاوض، وعلى ترتيب الأولويات، وعلى اقتناص الفرص حين تظهر أسعار أنسب أو عروض أوفر.
ومن المهم هنا أن يُفهم الشراء الجماعي على أنه أداة اقتصادية محددة، لا مجرد عمل اجتماعي عام. فليس المقصود أن تُجمع كل حاجات الناس في سلة واحدة بلا تمييز، بل أن تُحدد البنود التي يثبت أن جمعها يحقق منفعة واضحة. لأن النجاح في هذا الباب يبدأ من الوضوح: شراء ماذا؟ وبأي مواصفات؟ ولأي عدد؟ وفي أي وقت؟ وبأي ترتيب؟ فإذا غابت هذه الدقة، ضعف أثر الشراء الجماعي وصار عبئًا بدل أن يكون منفعة. ومن الأخطاء الشائعة كذلك أن يبدأ هذا الباب على قاعدة المجاملة لا على قاعدة النظام. فيُعتمد على الكلام الشفهي، أو تُؤخذ الطلبات على وجه التقريب، أو لا تُحسم طريقة السداد مسبقًا، أو لا تُحدد مسؤولية من يتولى التنفيذ.
ثم إذا ظهرت المشكلة قيل إن الفكرة نفسها غير نافعة، بينما الحقيقة أن الخلل في الإدارة لا في المبدأ. ولهذا فإن الشراء الجماعي لا يحمي القرية من الخسارة إلا إذا حُمي هو نفسه من الفوضى. ومن مزاياه أيضًا أنه يكشف للقرية حاجاتها الحقيقية بصورة أوضح. فحين تُجمع الطلبات، وتُراجع، وتُقارن بين موسم وآخر، يبدأ الناس في رؤية ما يتكرر شراؤه، وما يمكن تخفيفه، وما يمكن استبداله، وما كان يُنفق فيه أكثر من اللازم. وهنا لا يقتصر نفع الشراء الجماعي على خفض السعر، بل يمتد إلى ترشيد القرار الشرائي نفسه.
وقد يكون من الحكمة في البداية أن يبدأ الشراء الجماعي في بند واحد أو بندين فقط، لا أن يمتد إلى كل شيء دفعة واحدة. لأن النجاح في هذا الباب—كما في غيره—يتقوى بالتدرج. فإذا نجحت القرية في تنظيم شراء الأعلاف مثلًا، أو العبوات، أو بعض المدخلات الزراعية، ثبتت الثقة، وسهل بعد ذلك توسيع الدائرة. أما التوسع المبكر دون ضبط، فكثيرًا ما يُربك التجربة ويبدد فائدتها.

كما أن الشراء الجماعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما سبقه من حلقات: فهو يتقوى بوجود جمعية تعاونية منضبطة، ويستفيد من صندوق دوّار إذا احتاج بعض التيسير، ويخدم النشاط الزراعي والحيواني والصناعات الصغيرة، ويقلل من التآكل الصامت في رأس المال. ولهذا فهو ليس إجراءً منفصلًا، بل حلقة عملية في بناء اقتصاد قروي أكثر إحكامًا.
والأهم من ذلك أن أثر الشراء الجماعي يظهر فورًا في كثير من الحالات. فالمنتج قد يحتاج وقتًا حتى تتحسن غلته، أو حتى تظهر ثمرة التدريب، أو حتى يثبت أثر مشروع جديد، أما خفض الكلفة في المدخلات أو العبوات أو الأعلاف، فإنه قد يظهر منذ أول دورة إذا حُسن التنظيم. ولهذا فإن هذا الباب من الأبواب التي تعطي القرى دفعة سريعة في الاتجاه الصحيح، لأنها تجعل الناس يرون نتيجة التنظيم في أموالهم مباشرة. فالقرية التي تشتري متفرقة تدفع ثمن التفرق، والقرية التي تشتري مجتمعة تبدأ في جني ثمرات الاجتماع.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى محور آخر يضبط هذه الجهود ويمنحها مركزًا إداريًا وتنفيذيًا أوضح: بيت التنمية… العقل التنفيذي للمشروع القروي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى