مدن الإنتاج… حين لا تكفي الفكرة العظيمة بلا بيئة سليمة
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

حين يُعلن عن مشروع كبير مثل مدينة الإنتاج الحيواني بولاية نهر النيل، أو عن حزام صناعي في ولايات الوسط، أو عن أي مدينة زراعية أو صناعية أو تعدينـية أو لوجستية، فإن الواجب الأول ليس أن نقابل الفكرة بالاستخفاف، ولا أن نغرق في التصفيق العاطفي، بل أن ننظر إليها بميزان العلم والواقع. فهذه المشروعات في أصلها مهمة، بل هي بالضبط مما يحتاجه السودان إذا أراد أن ينتقل من اقتصاد الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة، ومن انتظار الموارد إلى تصنيع الموارد، ومن بيع الحيوان والذهب والحبوب والجلود والصمغ والقطن في صورتها الأولية إلى بناء صناعات وسلاسل إنتاج وتشغيل وتمويل وتصدير.
فالسودان ليس بلدًا فقير الموارد، وإنما بلد لم يحسن بعد تحويل موارده إلى منظومات إنتاج متكاملة. لدينا ثروة حيوانية ضخمة، لكنها في غالبها لا تزال بعيدة عن التصنيع العميق. ولدينا أرض وماء وحبوب زيتية وقطن وصمغ ومعادن، لكن كثيرًا من هذه الثروات يغادر البلاد خامًا، أو يضعف أثره بسبب التهريب، أو تضيع قيمته بسبب ضعف التخزين والنقل والطاقة والتمويل والتصنيع. ومن هنا تأتي أهمية مدن الإنتاج والمشروعات الكبرى؛ لأنها تحاول أن تجمع حلقات السلسلة في مكان واحد أو في منظومة
واحدة: المادة الخام، والبحث العلمي، والتمويل، والتدريب، والتصنيع، والتعبئة، والتبريد، والنقل، والتسويق، والتصدير.
ومدينة الإنتاج الحيواني، إن أُحسن تصورها وتنفيذها، يمكن أن تكون مثالًا بالغ الأهمية لهذا التحول. فهي لا تعني حظائر كبيرة فحسب، ولا مشروع تسمين منفردًا، بل تعني منظومة متكاملة تبدأ من الأعلاف والمياه والصحة البيطرية والتحسين الوراثي، وتمتد إلى الألبان واللحوم والمسالخ الحديثة والتبريد والتعبئة والجلود والمدابغ والسماد
العضوي والطاقة الحيوية والصناعات الثانوية والتصدير. وحين ترتبط هذه الحلقات ببعضها، لا يعود الحيوان مجرد رأس يُباع في سوق تقليدي، بل يتحول إلى سلسلة قيمة كاملة تخلق الوظائف، وترفع الدخل، وتزيد الصادرات، وتدخل صغار المنتجين في اقتصاد منظم بدل أن يظلوا فرادى تحت رحمة الوسطاء وتقلبات السوق.
ومن الإنصاف هنا أن تُذكر جهود بروف/ أحمد المنصوري، وزير الثروة الحيوانية، في الدفع بفكرة مدن الإنتاج
الحيواني ومحاولة نقل هذا القطاع من النشاط التقليدي المبعثر إلى نماذج إنتاجية أكثر تنظيمًا وتكاملًا. فهذه جهود تستحق الإشادة من حيث المبدأ؛ لأنها تتجه إلى لبّ المشكلة لا إلى هامشها، وتسعى إلى تحويل الثروة الحيوانية من أرقام ضخمة في الإحصاءات إلى صناعة حقيقية في الأعلاف والتسمين والألبان واللحوم والجلود والتصدير. غير أن الإنصاف نفسه يقتضي التنبيه إلى أن هذه الجهود، على أهميتها، قد تتأثر أو تضعف أو تُحاصر إن لم تمضِ بالتوازي مع إصلاح البيئة العامة التي تعمل داخلها؛ لأن الوزير مهما صدقت رغبته، والمشروع مهما عظم تصوره، لن يستطيع وحده أن يهزم اختلالات الكهرباء والوقود والتمويل والطرق والمصارف والرسوم وسعر الصرف والإجراءات.
وتزداد أهمية هذه المدن حين ترتبط بالجامعات ومراكز البحث، كما في حالة جامعة وادي النيل؛ لأن الجامعة تستطيع أن تمنح المشروع عقلًا علميًا لا مجرد اسم إداري. فالجامعة يمكن أن تسهم في الدراسات، والفحوص، والتدريب، والإرشاد، وتحسين السلالات، وتحليل الأعلاف، ورفع كفاءة الإنتاج، وبناء قواعد بيانات، وربط الطلاب والباحثين بمشكلات المزرعة والمصنع والسوق. وهذا هو الدور الأوفق للمؤسسة الجامعية: أن تكون مركز معرفة وخبرة وتطوير، لا أن تتحول إلى جهاز تجاري مباشر، ولا أن تُستخدم لافتة علمية فوق مشروع لا تحكمه الدراسات والمؤشرات.
كذلك فإن هذه المشروعات الكبرى يمكن أن تسهم في التنمية المتوازنة. فحين تقوم مدينة إنتاج أو حزام صناعي في ولاية منتجة، فإنها لا تصنع مصنعًا وحده، بل تخلق حوله حركة اقتصادية واسعة: طرقًا ومخازن ومراكز تبريد ومزارع أعلاف وخدمات بيطرية وورشًا ومهارات فنية وتجارة محلية وفرص عمل وسوقًا للمنتج الصغير. وهذا هو الطريق الصحيح لكسر مركزية العاصمة، وتحويل الولايات من مناطق تصدير للمواد الخام والبشر إلى مراكز إنتاج وثروة وخدمات. فالنهضة لا تكون بأن تبقى الموارد في الأطراف وتتركز القيمة المضافة في المركز، بل بأن تنتقل الصناعة والخدمة والتمويل والتشغيل إلى حيث توجد الموارد والناس.
غير أن أهمية الفكرة لا تكفي وحدها. فكثير من مشروعات السودان كانت صحيحة في أصلها، جميلة في عناوينها، واسعة في وعودها، ثم ضعفت أو ماتت لا لأن فكرتها باطلة، بل لأنها وُضعت داخل بيئة عامة مختلة. وهنا ينبغي أن نكون موضوعيين لا عاطفيين. فالمشروع الإنتاجي الكبير لا يقوم بالأرض وحدها، ولا بالاجتماعات، ولا بالقرارات، ولا بحسن النوايا، بل يقوم ببيئة تشغيل كاملة: كهرباء كافية ومستقرة وبسعر مناسب للتشغيل والتبريد، ووقود متاح للآليات والنقل، ومياه مضمونة، وطرق ممهدة، ونقل بري معقول أو سكة حديد فاعلة، ومصارف قادرة على التمويل، وإجراءات سهلة، ورسوم وجبايات غير مرهقة، وسعر صرف واضح، وحماية للعقود والملكية، وقنوات تصدير مستقرة، وسياسات لا تتقلب كل صباح.
ومن الخطأ أن نظن أن إنشاء بيئة خاصة داخل المشروع يكفي لعزله عن البيئة العامة. نعم، يمكن للمشروع أن تكون له نافذة واحدة، وإجراءات مختصرة، ونظام داخلي منضبط، وحوافز واضحة، وهذا كله مطلوب. لكنه سيظل محتاجًا إلى الكهرباء من منظومة أوسع أو إلى بدائل مكلفة، وإلى الوقود من السوق العام، وإلى الطرق والموانئ والسكك الحديدية خارج حدوده، وإلى المصارف والتحويلات وسعر الصرف والجمارك والضرائب وسياسات الصادر والوارد. فإذا بقيت هذه البيئة العامة مختلة، فإن أثرها سيدخل إلى المشروع من كل باب، فيرفع التكلفة، ويضعف الربحية، ويخيف
المستثمر، ويعطل التصدير، ويقلل القدرة التنافسية، ويجعل المشروع أقرب إلى عنوان جميل منه إلى صناعة مستقرة.
ولذلك فإن المدن الإنتاجية والمشروعات الكبرى ينبغي ألا تُطلق في فراغ، بل يجب أن تتوازى مع حزمة إصلاح كلية للبيئة العامة. فكما أن المصنع يحتاج آلة، يحتاج كذلك قانونًا وسعر صرف ومصرفًا وطريقًا وطاقة وإجراءً سهلًا. وكما أن المسلخ الحديث يحتاج معدات، يحتاج أيضًا تبريدًا وصحة بيطرية ونقلًا وتصديرًا. وكما أن المدبغة تحتاج جلودًا، تحتاج كذلك مياهًا ومعالجة بيئية وطاقة وتسويقًا. وكما أن المستثمر يحتاج أرضًا، يحتاج أكثر إلى ثقة في أن العقد محترم، والرسوم معلومة، والأرباح قابلة للتحويل، والإجراءات لا تبتلعه، والقوانين لا تنقلب عليه بعد أن يضع ماله.
إن الحزمة التي تحتاجها هذه المشاريع ليست سرًا غامضًا: إصلاح سعر الصرف عبر منصة شفافة ومنظمة، ورقمنة الجمارك والضرائب والتراخيص والصادر والوارد، وتوحيد الرسوم والجبايات وتبسيطها، وإصلاح المصارف والتحويلات، وتوفير معينات الأجهزة العدلية وربطها رقميًا بالمواطن والمستثمر، وحماية المنافسة ومنع الاحتكار، وتسهيل الاستثمار، وضبط الصادر بسياسات تشجع الطريق الرسمي بدل أن تطارد الناس بعد أن تدفعهم إلى الطريق غير الرسمي، وتوفير الطاقة والوقود والنقل باعتبارها شروط إنتاج لا كماليات إدارية.
ومن المهم كذلك أن تُدار هذه المشاريع بمراحل لا بقوائم أمنيات واسعة. فحين تجمع مدينة واحدة الألبان واللحوم والضأن والماعز والإبل والدواجن والأسماك والعسل والمدابغ والطاقة الحيوية والسماد وصغار المنتجين، فإن ذلك جميل كتصور نهائي، لكنه خطر إذا أُريد تنفيذه كله دفعة واحدة. الأوفق أن تبدأ بمشروعات محورية ذات جدوى واضحة: الأعلاف، والتسمين، والألبان، والمسلخ الحديث، والتبريد، ثم تتوسع بعد نجاح المرحلة الأولى إلى المدابغ والصناعات
الجلدية والسماد والطاقة الحيوية وبقية الأنشطة. فالتدرج هنا ليس تأجيلًا للرؤية، بل حماية لها من التشتت والفشل.
ويجب أيضًا أن تكون الأرض أداة إنتاج لا مجال مضاربة. فالأراضي الواسعة التي تُمنح باسم الاستثمار قد تتحول، إن غابت الحوكمة، إلى حيازة وانتظار وتجارة في الامتيازات. والأوفق أن تكون الأرض بحق انتفاع مشروط بالتنفيذ خلال مدة محددة، مع مؤشرات إنتاج وتشغيل واضحة، وسحب الحق ممن لا ينفذ. فالمطلوب ليس أن نوزع مساحات، بل أن نخلق إنتاجًا ووظائف وصادرات وقيمة مضافة.
كما يجب أن يكون لصغار المنتجين موقع حقيقي في هذه المدن، لا ذكرًا تجميليًا في الأوراق. فالسودان لا ينهض بمستثمر كبير وحده، ولا بصغار منتجين مبعثرين وحدهم، بل ينهض حين تُربط قدرات الجميع في سلاسل قيمة عادلة. صغار المربين والمزارعين يحتاجون إلى تمويل وإرشاد وتجميع وتسعير عادل وضمان شراء وتدريب وخدمات بيطرية، حتى لا يدخلوا المشروع تابعين ضعفاء، بل شركاء في الإنتاج وموردين منظمين، ينتفعون وينفعون.
ومن هنا فإن الموقف الصحيح من مدن الإنتاج ليس الرفض ولا الانبهار، بل التأييد المشروط بالعلم والحوكمة والبيئة الصالحة. نعم، هذه المشاريع مهمة، بل ضرورية. نعم، السودان يحتاج إلى مدن إنتاج حيواني، وأحزمة صناعية، ومناطق تصنيع زراعي، وسلاسل قيمة للذهب والصمغ والقطن والحبوب الزيتية واللحوم والجلود. ونعم، إن جهود وزارة الثروة الحيوانية في هذا الباب ينبغي أن تُدعم وتُشجع، لأنها تفتح بابًا صحيحًا نحو الإنتاج المنظم والقيمة المضافة. لكن كل ذلك لن ينجح في بيئة عامة تضيق على المنتج، وتربك المستثمر، وتثقل الرسوم، وتضطرب فيها الطاقة والوقود والنقل، ويتعدد فيها سعر الصرف، وتضعف فيها الثقة في المصارف والقنوات الرسمية.
والخلاصة أن مدن الإنتاج يمكن أن تكون بابًا عظيمًا لنهضة السودان إذا وُضعت في موضعها الصحيح: مشروعات إنتاجية كبرى تسندها بيئة عامة صالحة. أما إذا تعاملنا معها كأنها قادرة وحدها على هزيمة فساد البيئة العامة، فسنظلمها ونظلم البلاد. المشروع الصحيح يحتاج بيئة صحيحة؛ والمدينة الإنتاجية لا تصبح مدينة منتجة بمجرد الاسم، بل حين تعمل فيها الكهرباء، ويتوفر الوقود، وتصل الطرق،
ويتدفق التمويل، وتُحمى العقود، وتستقر الرسوم، وتُرقمن الإجراءات، وتجد المنتجات طريقها إلى السوق والتصدير. ولذلك فإن الطريق الأوفق هو أن تمضي هذه المشاريع الكبيرة بالتوازي مع إصلاح البيئة العامة، لا بعيدًا عنها ولا قبلها ولا بعدها. فإذا صلحت البيئة، تحولت المدن الإنتاجية إلى محركات نهضة. أما إذا بقيت البيئة مختلة، فستظل أعظم الأفكار معرضة لأن تُهزم لا بضعفها، بل بضعف الأرض التي زُرعت فيها.





