مقالات

فوضى الإعلان واغتراب الذائقة الجمالية 

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي  

ما يستوقف النظر – أحيانًا في لحظات المتابعة العابرة أو المصادفة البصرية – هو طبيعة الخطاب الإعلاني في بعض الفضائيات السودانية، حيث يبرز حضور واضح لنمط موسيقي محدد هو “الراب” باعتباره قالبًا أصبح شبه مهيمن في الإعلانات الترويجية للسلع والخدمات، سواء كانت اتصالات أو منتجات استهلاكية أو غيرها من الأنشطة التجارية.

من المعلوم أن الإعلان في أصله بحسب اكاديميين، ليس مجرد وسيلة لبيع السلع والخدمات، بل نص ثقافي يكشف جانبًا من التحولات التي تطرأ على الذائقة الجمالية العامة وصورة المجتمع عن نفسه. ومن هذه الزاوية، يلفت الانتباه الحضور الكثيف لهذه الموسيقي في الإعلانات السودانية، مقابل تراجع الإيقاعات المحلية التي شكلت طويلًا جزءًا من الوجدان الثقافي السوداني. ولا تبدو هذه الظاهرة مجرد خيار فني، بقدر ما تعكس تحولات أكبر في المرجعيات الثقافية التي تحكم صناعة الرسالة الإعلانية.

من الواضح أن جزءًا كبيرًا من صناعة الإعلان بات يتحرك ضمن منطق “المحاكاة والتقليد ”، حيث تُستورد الأشكال الأكثر انتشارًا على المنصات الاجتماعية دون تمحيص كافٍ لملاءمتها للسياق الثقافي المحلي.” فالراب” ، بوصفه تعبيرًا موسيقيًا مرتبطًا بتجارب حضرية غربية، لا يمكن اختزاله في كونه مجرد إيقاع سريع أو جاذب بصريًا، بل هو حزمة ثقافية كاملة تحمل خلفياتها الاجتماعية واللغوية ودلالاتها الرمزية، وهو ما يجعل استنساخه دون  انتباه نوعًا من العزلة الانفصالية  بين الرسالة وجمهورها.

من جهة أخرى، يكشف هذا الوضع عن ضعف في اعتماد المعايير العلمية داخل صناعة الإعلان. إذ يغلب الطابع الحسي في اختيار القوالب الإيقاعية  دون القياس العلمي لتأثيرها في السلوك الاستهلاكي. فالكثير من المنتجين وصناع المحتوى يبدون أقرب إلى محاكاة الاتجاهات الرائجة من الاستناد إلى دراسات ميدانية تقيس المردود، وتستوعب طبيعة الذائقة لدي الجمهور، بحيث يصبح معيار النجاح هو بناء رسالة منسجمة مع الوجدان العام.

الأزمة هنا ليست تقنية بقدر ما هي ثقافية، فالإعلان لا يقتصر على بيع السلع، بل يشارك في صياغة المعاني وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. وعندما يقوم على محاكاة نماذج مستوردة دون استيعاب للسياق المحلي، تتراجع الخصوصية الثقافية لصالح أنماط استهلاكية مستلبة  للهوية “ما يعرف باغتراب الجمالي” بالنظر إلى هذه المرحلة تتطلع فيها البلاد إلى التعافي وإعادة البناء، كان يمكن للإعلان أن يتجاوز وظيفته التجارية ليصبح رافعة ثقافية وتنموية، تسهم في تعزيز قيم العمل والإنتاج، ورتق النسيج الاجتماعي، وإعادة وصل ما انقطع من روابط الانتماء المشترك.

في المقابل تُظهر الموسيقى السودانية بنية داخلية شديدة التنوع، تقوم على تعدد الإيقاعات المرتبطة بالبيئة الاجتماعية والجغرافية. فالإيقاعات في السياق السوداني ليست عناصر فنية مجردة، بل تعبيرات عن أنماط العيش والإنتاج والزراعة. هذا التعدد يشير إلى أن الذائقة المحلية غنية، بل متجذرة تاريخيًا، وقابلة لاستيعاب الحداثة التي لا تُلغى بنيتها الداخلية.

من منظور تنموي، يمكن أن يسهم توظيف الإيقاعات المحلية في الخطاب الإعلاني في تعزيز فعالية الرسالة، ليس فقط من حيث الجذب، بل من حيث ترسيخها في الذاكرة الجمعية. وتشير التجربة الإعلامية إلى أن الرسائل المرتبطة بالسياق الثقافي تحقق استيعابًا واستدامة أكبر من تلك المنفصلة عنه. وبناءً على ذلك، لا تبدو فوضى الإعلان مجرد إشكال، بل مؤشرًا على خلل أكبر في العلاقة بين الإنتاج الإعلامي والبنية الثقافية.

ويتطلب تجاوز هذا الخلل إعادة وصل الإبداع بالمعرفة والقيم المحلية  بحيث تُبنى القرارات الإعلانية على أدوات تحليل ثقافي وميداني، لا على الحدس أو المحاكاة. كما يبرز هنا مفهوم السيادة الرمزية، بوصفه قدرة المجتمع على إنتاج رموزه الجمالية وإعادة توظيفها داخل خطاباته الحديثة، إذ أن غيابها يقود إلى تبعية جمالية تنتج ذائقة مستهلكة بدل ذائقة منتجة.

بحسب #وجه_الحقيقة، يكشف المشهد الإعلاني في الإعلام السوداني عن ميل متصاعد نحو استيراد قوالب موسيقية جاهزة تُسوَّق باعتبارها أكثر قدرة على الانتشار ، في مقابل تراجع حضور الإيقاعات المحلية بما تحمله من عمق ثقافي ووجداني. هذا التحول لا يمكن قراءته كتطور تقني، بل كتبدل في بنية الذائقة الإعلانية نفسها، حيث يهيمن منطق المحاكاة على حساب الوعي بالسياق الثقافي والهوية السمعية والبصرية الوطنية .

وفي المقابل، تظل الموسيقى السودانية بما تملكه من ثراء إيقاعي وتجذر اجتماعي، موردًا ثقافيًا حيًا يمكن أن يشكل أساسًا لإعلان أكثر أصالة وفاعلية. وعليه، فإن المطلوب من الجهات المعنية بالإعلان والإعلام إعادة الاعتبار للبحث الميداني وقياس الأثر، وتطوير سياسات إنتاج تراعي الخصوصية الثقافية وتوظف العناصر المحلية بوصفها قيمة اتصالية وجمالية، بما يسهم في بناء خطاب إعلاني أكثر تأثيرًا ودعمًا للتنمية والوحدة الوطنية.

دمتم بخير وعافية.
الأثنين 8 يونيو 2026 م   Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى