صديق البادي يكتب | رسائل السيد الرئيس البرهان الثالثة: عصابات المجرمين واللصوص المسلحين في الخرطوم وغيرها

السودان يملك كل مقومات النهضة التي تؤهله ليصبح مارداً اقتصادياً ورقماً اقليمياً ودولياً، وخيراته وفيرة، وثرواته كثيرة متنوعة، ويملك ما لا تملكه كثير من الدول التي نهضت وبلغت شأواً بعيداً في التقدم، ولكنه أصبح كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول. ويزخر بالعقول الخيرة النيرة والعلماء والخبراء في كافة المجالات، ويزخر أيضاً بالسواعد القوية القادرة على البذل والعطاء ومع ذلك فإنه ظل يرسف في السفح وتخطته دول صغيرة لا تملك ربع ما يملكه.
والقوى الاستعمارية الأجنبية ظلت منذ أمد بعيد تكيد له وتطمع في خيراته وثرواته، وسعت بشتى السبل لإضعافه ووضع العراقيل أمامه، لئلا ينهض مع شغل وإلهاء شريحة لا يستهان بعددها من أبنائه من مرضى حب السلطة (والمرض سلطان) بالصراع المحموم بينهم حول السلطة ،وجاهها وكراسيها. وظلت القوى الأجنبية تقف وراء اندلاع الحروب الداخلية وكانت تصب الزيت على نارها لئلا تنطفي .وخططت ومولت ودبرت بالتنسيق مع أدواتها وعملائها في الداخل للفتنة الكبرى ،والحرب الاستنزافية الإجرامية الانتقامية القذرة التي اندلعت قبل قرابة ثلاثة أعوام ولا زالت بقايا نارها مشتعلة ،وهي من أقذر وأحط الحروب في تاريخ السودان، وفي تاريخ الإنسانية. ولو نجح انقلابهم لا قدر الله وافترضنا مجرد افتراض في الخيال أن السلطة
دانت لهم فالمؤكد أن تحدث من الفظائع والكوارث والمآسي والجرائم البشعة أضعاف ما حدث منهم بعد فشل انقلابهم. ومنذ اليوم الأول سيفرضون حظر تجول عام في العاصمة وغيرها، وتجوب الآلاف من تاتشراتهم وعرباتهم الشوارع والأزقة وهي ممتلئة بالمدججين بالسلاح مع الدخول في العمارات والمساكن والبيوت عنوة والقيام، بعمليات قتل بدم بارد وعلى نطاق واسع لقوائم يعدونها لمن يعتبرونهم أعداء ومناوئين سياسيين لهم .مع مصادرة العربات والذهب والأموال عنوة ،والقيام بعمليات اغتصابات وحشية على مرأى من الأزواج والأبناء والبنات بعد تقييدهم بالحبال، وتعذيب وقتل كل من يقاوم منهم، وإخلاء العمارات والمنازل والاستيلاء عليها مع القيام بنفس العمليات البشعة التي قاموا بها في الولايات والمناطق الأخرى بصورة أكثر بشاعة.
وقد فتحوا مجال التجنيد على مصراعيه للمجرمين والقتلة وسافكي الدماء واللصوص ومنتهكي العروض وإعطاء اراذل البشر من قاع المجتمع العربات والمواتر والسلاح ليفعلوا ما فعلوه منذ اندلاع الحرب.
والجريمة موجودة منذ الأزل في عهد أبينا آدم وأمنا حواء والشاهد على ذلك جريمة القتل التي حدثت بين قابيل وشقيقه هابيل. وكانت الجرائم وما فتئت تزرع. وفي السودان كان اللصوص في كل قرية أو حي من الأحياء بالمدن معروفين بالاسم وتحدث اشتباكات أو حوادث قتل
نادرة في الحانات وغيرها، وكانت للبوليس والمباحث هيبة وقوة وكان بوليس السواري يجوب الشوارع والأزقة والأسواق ليلاً والبوليس السري يجوس متخفياً في الأماكن المشبوهة للقبض على المجرمين، والمباحث الجنائية تقوم بواجبها بهمة وإخلاص. والجرائم الشاذة كانت تهز المجتمع السوداني كله ويدينها ويشجبها. واذكر من هذه الجرائم على سبيل المثال: كما هو مثبت بإرشيف الصحف ،جريمة عباس باركليز، وعصابته وقد قبض عليهم وأعيد المال المسروق للبنك. وجريمة قتيلة الشنطة وهي إمرأة من سواقط المجتمع اختفت في ظروف غامضة ووجدت أعضاؤها وهي قتيلة مغلقة في شنطة كبيرة وجريمة محمد عواره (ابو جنزير) في مدينة عطبرة. وهذه الجرائم الشاذة اهتمت بها
الصحف وهزت المجتمع. وجاء زمان أصبحت تحدث فيه في اليوم الواحد عشرات الجرائم تكون أكثر بشاعة من تلك ولا تحرك ساكناً ،أو تثير فضولاً لأنها أصبحت عادية بكل أسف. والأستاذ أحمد خير المحامي كتب ونشر مؤلفه كفاح جيل ويقابل هذا الآن ضياع جيل. والتربية والتعليم كانتا متلازمتين في كل مراحل التعليم العام والعالي ومر زمان اضمحلت فيه التربية وقلت المناشط التربوية لاسبما في مدارس التعليم الخاص أو قل التعليم التجاري الذي يركز على حشو المعلومات والمباهاة بالحصول على نتائج تكون مدخلاً للإعلان عنها في العام التالي. وبعض تلك المدارس أهملت المناشط والجوانب التربوية وتركت مهمة التربية ليقوم بها البيت أو الشارع. وهذا يعني (إما تربية بيوت
وأسر .وإما تربية شوا ع) مع تأثير الثقافات والعادات والتقاليد الوافدة عبر الفضائيات. والمعلمات الفضليات يقمن بواجبهن التعليمي على الوجه المطلوب ونسبتهن في مرحلة الأساس (الابتدائية والمتوسطة قبل وبعد إعادة دمجهن) أكثر من سبعين في المائة لأن إنخفاض الأجور جعل الكثيرين ينصرفون لمهن أخرى، والمعلمات لا يمكن أن يأتين في الأمسيات لممارسة المناشط التربوية وأحدث هذا ضعفاً في الجانب التربوي وجدلاً من القول إ نه يوجد فاقد تعليمي فالانسب أن يقال انه نسبياً يوجد فاقد تربوي .والملاحظ أن أصحاب النظام الحقيقيين وأهل الجلد والرأس كانوا هم
الذين يضعون السياسات التعليمية ويعهدون الإشراف على تنفيذها في أغلب الأحيان لوزراء تربية وتعليم من، المؤلفة قلوبهم الذين يصبحون ملكيين أكثر من الملك لتأكيد ولائهم ومنهم بعض الأفاضل. وانتشرت المخدرات إنتشاراً واسعاً وقبضت عدة مرات حاويات حاملة للمخدرات ونشرت الصحف واستهجنت الأقلام ذلك ولم يحرك ذلك ساكناً وظل غامضاً وأطبق الصمت الرسمي عليه (لا حس ولا خبر) وقطعاً أن حاويات كثيرة دخلت وبيعت محتوياتها من المخدرات (وربما يدخل ذلك في عملية غسيل الأموال القذرة). أضف لكل ذلك الهملة والانطلاقة بين الجنسين جهاراً نهاراً وليلاً في الميادين العامة والكافتريات وشارع النيل بل إن بعض الذين كانوا يعملون في أمن المجتمع يتحدثون في مجالس أنسهم عن ممارسات وجرائم يندى لها
الجبين. وشهدت العاصمة إنتشاراً للنشالين في الأسواق ومواقف المواصلات واللصوص الحاملين للسواطير الذين يعتدون على البيوت ،وإذا اعترضهم أحد فإنهم يعتدون عليه. ووالخير والشر يصطرعان وقطعاً أن كفة الخير ستكون في النهاية هي الراجحة والمساجد تمتلئ بحمد الله بالمصلين والخيرين كثيرين. ولكن الشر يتطاول .وبلغ الفساد قمته القصوى واضحى زلزالاً قابلاً للانفجار في أية لحظة ولذلك عندما اندلعت الحرب الإجرامية الانتقامية وجد المجرمون واللصوص المسلحون وهاتكو العروض ضالتهم فيها وعاثوا في الأرض فساداً، ونفثوا سموم حقدهم الأسود. وعقدهم النفسية.
والآن الخرطوم والعاصمة في مرحلة استعادة عافيتها وتجأر بالشكوى من وجود عصابات من المجرمين واللصوص المسلحين يقتحمون البيوت في وضح النهار بكل وقاحة وصفاقة إذا احسوا بأن الحي الذي ينفذون جريمتهم فيه غير آهل بالسكان بالقدر الكافي، ويصعب على الكثيرين الخروج من منازلهم بعد المغرب إذا لم تكن الشوارع في أحيائهم مضاءة، وبعض المجرمين يرتدون زياً عسكرياً يمكن أن يحصلوا عليه بالسرقة ،وفي هذا إساءة للجيش الباسل ولكل القوات النظامية .ويقتضي أن يكون حملة الأسلحة
وارتداء الزي العسكري قاصراً على من يعملون في الجيش الباسل والقوات النظامية الأخرى. والرئيس السادات قال في إحدى خطبه بطريقة ساخرة إذا انكسر زير في قرية بني مرة فإن البعض يحملونه مسؤولية كسره وتقع عليه المسؤولية الكلية للدولة وليس مراقبة الازيار .وبنفس القدر فإن الرئيس البرهان ومن معه ليسوا مطالبين بالتجول في الشوارع والاحياء لردع المجرمين واللصوص والمسلحين ،ولكن تقع عليهم المسؤولية الكلية للدولة لتأمين البلاد والعباد وهذا يقتضي مثلاً :فرض حظر عام في الخرطوم في
كل العاصمة ليوم أو يومين ،وإنزال عدد ضخم من الجيش الباسل والقوات النظامية الأخرى، لتأكيد هيبة الدولة وقوتها وتمشيط العاصمة كلها والقبض على المرتزقة المجرمين القادمين من الخارج، وتسليمهم لدولهم وردع اللصوص، والمجرمين واجتثاثهم بالقوة وكسر شوكتهم،و مع مراعاة أن الخواجات ومن والاهم قابلوا ما لاقاه الشعب السودانى من
فظائع وجرائم بكل برود ولكن إذا بثت في أجهزة الإعلام حالة عقاب رادع لمجرم واحد فإنهم يملأون الدنيا ضجيجاً وعجيجاً ويعتبرون هذه العقوبة الرادعة فيها إنتهاك لحقوق الإنسان. والردع واجتثاث الإجرام والمجرمين يمكن أن يتم في صمت وبلا جلبة وضوضاء.




