الحملة القومية التغذوية المتكاملة.. صحة الخرطوم تصنع الأمل من منزل إلى منزل
سعاد سلامة تكتب | همس البوادي

في توقيت بالغ الحساسية من تاريخ السودان الصحي والإنساني تأتي الحملة القومية للتغذية المتكاملة كواحدة من أهم التدخلات العاجلة التي تعكس إدراكاً عميقاً لحجم التحديات التي فرضتها الأوضاع الراهنة وما خلفته من آثار مباشرة على الأمن الغذائي وصحة الأمهات والأطفال خصوصاً في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح
وتشمل الحملة في مرحلتها الأولى، نحو تسع ولايات ضمن تدخلات واسعة تهدف إلى سد الفجوة التغذوية والحد من معدلات سوء التغذية الحاد والمتوسط، عبر حزمة متكاملة من الخدمات الصحية والتغذوية التي تنفذ بأسلوب الوصول المباشر من منزل إلى منزل بما يضمن تغطية أكبر عدد ممكن من الفئات المستهدفة.
وتكمن قوة الحملة في كونها لا تقتصر على تقديم خدمات علاجية أو وقائية فحسب، بل تمثل تحولاً نحو نهج شامل يجمع بين التدخل العلاجي والتثقيف الصحي من خلال تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التغذية السليمة ودور الأسرة في حماية الأطفال من مضاعفات سوء التغذية التي يمكن الوقاية منها
وفي هذا الجانب يبرز الدور المحوري لإدارات تعزيز الصحة التي تمثل خط الدفاع الأول في معركة التوعية المجتمعية، حيث تضطلع بمسؤولية رفع الوعي الصحي وسط الأسر وتبصير الأمهات بأهمية الرضاعة الطبيعية والتغذية السليمة وضرورة الاستفادة من الخدمات المقدمة خلال الحملة كما تسهم فرق تعزيز الصحة في بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات الصحية وتحويل الرسائل الصحية إلى سلوك يومي ينعكس إيجاباً على صحة الأطفال والأمهات ويعزز نجاح التدخلات الميدانية
وتشمل التدخلات الأساسية للحملة تقييم الحالة التغذوية للأطفال دون سن الخامسة، والحوامل والمرضعات إلى جانب تقديم جرعات فيتامين (أ) للأطفال وتوزيع حبوب الألبندازول للوقاية من الديدان المعوية، وحبوب الحديد للحوامل، في إطار استراتيجية متكاملة تستهدف تعزيز المناعة وتحسين المؤشرات الصحية للأم والطفل.
وتأتي هذه الجهود في ظل واقع إنساني معقد حيث تشير
التقديرات إلى وجود ملايين الأطفال والنساء في حاجة ماسة للتدخلات التغذوية العاجلة، ما يجعل من هذه الحملة استجابة ضرورية وليست خياراً خاصة في ظل محدودية الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق
كما تعكس الحملة توجهاً واضحاً نحو الاستثمار في الحلول المستدامة من خلال دعم التوجهات الرامية إلى توطين إنتاج المغذيات وتعزيز الاعتماد على المنتجات الغذائية المحلية بما يسهم في بناء نظام غذائي أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات.
ولا يفوتنا هنا أن نشيد بالجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الصحة والكوادر الصحية العاملة بالميدان، والشركاء الوطنيون والدوليون والمنظمات الداعمة واللجان المجتمعية والمتطوعون، الذين شكلوا نموذجاً حقيقياً للتكامل والعمل المشترك من أجل حماية صحة الأطفال والأمهات فنجاح هذه الحملة هو ثمرة لتضافر الجهود وتوحيد الإرادة من أجل الوصول إلى كل منزل، وكل طفل يحتاج إلى الرعاية
وفي هذا السياق تكتسب الحملة بعدها الاستراتيجي بوصفها جزءاً من رؤية أوسع لإعادة بناء النظام الصحي تقوم على الوقاية والتدخل المبكر، وتكامل الجهود بين الدولة والشركاء، لضمان عدم ترك أي طفل أو أم خارج دائرة الرعاية
فاصلة
إن الحملة القومية للتغذية المتكاملة تمثل خطوة مهمة في اتجاه حماية رأس المال البشري وترسيخ مفهوم العدالة الصحية وتؤكد أن صحة الخرطوم والسودان عموماً ستظل في صدارة الأولويات مهما كانت التحديات كما تؤكد أن إدارات تعزيز الصحة ستظل شريكاً أساسياً في صناعة الوعي وبناء مجتمع أكثر صحة وقدرة على مواجهة المخاطر وأن الاستثمار في صحة الإنسان هو الطريق الحقيقي نحو التعافي والاستقرار
اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ أهلنا، واجعل الصحة والعافية والطمأنينة عنواناً لبلادنا.





