مقالات

إشتياق الكناني تكتب | حكومة الأمل.. هل ما زال في الوقت متسع لاستعادة ثقة المواطن؟

حين تتولى أي حكومة مسؤولية إدارة دولة تمر بظروف استثنائية، فإن أول ما ينتظره المواطن منها ليس الوعود الكبيرة، وإنما الإحساس بأن هناك من يسمع صوته ويعمل على تخفيف معاناته. وفي السودان، حيث ما تزال آثار الحرب تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية، كان الجميع يأمل أن تكون “حكومة الأمل” بداية مرحلة جديدة تعيد شيئاً من الطمأنينة إلى النفوس، وتضع المواطن في مقدمة أولوياتها.

لكن الواقع الذي يعيشه الناس اليوم يدفع إلى طرح أسئلة صعبة، ليس بدافع المعارضة أو التقليل من حجم التحديات، وإنما لأن معاناة المواطن بلغت مرحلة لم يعد فيها قادراً على الصبر أكثر مما صبر.

نعلم أن الحكومة ورثت ظروفاً استثنائية، وأن الحرب دمرت البنية التحتية، وأوقفت عجلة الإنتاج في كثير من القطاعات، وأرهقت مؤسسات الدولة. ونعلم أيضاً أن إعادة بناء دولة خرجت من حرب ليست مهمة سهلة ولا يمكن إنجازها في أشهر قليلة. لكن المواطن لا يقيس أداء الحكومات بعدد الاجتماعات أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بما ينعكس على حياته اليومية.

المواطن يريد أن يعرف لماذا يرتفع سعر الدولار أكثر من مرة في اليوم الواحد، ولماذا تقفز أسعار السلع دون أي رقابة، ولماذا أصبح شراء مواد البناء حلماً لمن يريد ترميم منزله الذي تضرر بالحرب. كيف يمكن لأسرة عادت إلى منزلها أن تبدأ حياتها من جديد بينما أسعار الأسمنت والحديد والمواد الأساسية تتغير كل صباح، وكأن السوق بلا دولة ولا رقابة؟

ثم تأتي الخدمات الأساسية، وهي حق وليست ترفاً. الكهرباء، على سبيل المثال، أصبحت جزءاً من معاناة يومية يعيشها الجميع. صحيح أن هناك تحديات فنية كبيرة، لكن المواطن يريد خطة واضحة، لا وعوداً متكررة. يريد أن يعرف متى تتحسن الخدمة، وما الذي يجري لمعالجة الأزمة، لأن حياته وعمله وتعليم أبنائه وعلاجه أصبحت كلها مرتبطة باستقرار التيار الكهربائي.

ولا تتوقف المعاناة عند الكهرباء، بل تمتد إلى الصحة والتعليم والمياه والنقل، وصولاً إلى الرسوم والجبايات التي تلاحق المواطن في كل معاملة. أصبح المواطن يشعر أن الدولة حاضرة عندما يتعلق الأمر بالتحصيل، لكنها غائبة عندما يتعلق الأمر بالخدمات. وهذه معادلة لا يمكن أن تبني ثقة بين المواطن وحكومته.

إن الأسواق اليوم تحتاج إلى رقابة حقيقية. فليس من المنطقي أن تختلف أسعار السلعة نفسها من متجر إلى آخر بفارق كبير، وأن يصبح التسعير خاضعاً لاجتهاد كل تاجر. كما أن حماية المستهلك يجب أن تكون أولوية، سواء في جودة السلع أو في ضبط الأسعار أو في منع الاحتكار.

حكومة الأمل… إن الأمل لا يُقاس بالشعارات، وإنما بالقرارات التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية. والأمل لا يولد من التصريحات، بل من استقرار سعر الخبز، وتوفر الدواء، وانتظام الكهرباء، وضبط الأسواق، وتخفيف الأعباء عن الناس.

إن المواطن السوداني لم يعد يطلب الكثير. لا ينتظر معجزات، ولا يطالب بحلول فورية لكل الأزمات. لكنه يريد أن يرى مؤشرات حقيقية على أن حكومته تتحرك في الاتجاه الصحيح، وأن هناك رؤية اقتصادية واضحة، وأن المسؤولين يشعرون بما يعيشه الناس من ضيق.

ولعل أهم ما تحتاج إليه الحكومة اليوم هو المصارحة. فالشعوب تستطيع أن تتحمل الصعوبات عندما تعرف الحقيقة، وعندما ترى أن حكومتها تعمل بجد وتضع أمامها خططاً واضحة ومواعيد محددة للمراجعة والإنجاز. أما الغموض، فهو يفتح الباب أمام الإشاعات ويفقد الناس الثقة.

إن إعادة إعمار السودان لن تتحقق بالمباني وحدها، بل تبدأ بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. والثقة تُبنى عندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن شكواه تجد من يستجيب لها، وأن السياسات الاقتصادية تُصاغ لخدمة الناس لا لإثقال كواهلهم.

ختاماً، هذه رسالة مواطن ما زال ينتظر أملاً حقيقياً من “حكومة الأمل“. مواطن لا يبحث عن الوعود، بل عن قرارات يلمس أثرها في حياته اليومية، وعن سياسات تخفف عنه أعباء المعيشة، وتعيد إليه الثقة بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل. فما زال الوقت متاحاً لتصحيح المسار، وما زال الأمل قائماً، لكن الأمل لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالعمل الجاد، والقرارات الشجاعة، والرقابة الفاعلة، وإدارة اقتصادية تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. فالسودانيون صبروا كثيراً، ويستحقون اليوم أن يروا أملاً حقيقياً ينعكس على واقعهم، لا أن يبقى مجرد اسم لحكومة ينتظرون منها الكثير.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى