الجنيه السوداني… حين تقارب السعران في سنوات النفط (٣ من ٥)
بهدوء وتدبر | محمد عثمان الشيخ النبوي

تناولنا في المقال السابق كيف يؤدي تعدد أسعار الصرف إلى تشويه المعاملات الاقتصادية، وكيف تتسع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي حين تعجز القنوات المصرفية عن تلبية الطلب على النقد الأجنبي. لكن التجربة السودانية شهدت مرحلة تقلصت فيها الفجوة بين السعرين، وساعدت عائدات النفط على دعم استقرار سعر الصرف، دون أن يعني ذلك تحريرًا كاملًا لسوق النقد الأجنبي.
فقد عانى السودان خلال الثمانينيات والتسعينيات من ضغوط اقتصادية انعكست على قيمة العملة وتوافر النقد الأجنبي. وفي أواخر التسعينيات اتخذ السودان إجراءات لتقليص الفجوة بين أسعار الصرف وتوحيد سوق النقد الأجنبي، قبل بدء تصدير النفط عام ١٩٩٩. غير أن تقارب الأسعار لم يكن دليلًا على تحرير كامل للعملات وفق العرض والطلب، فقد استمرت القيود وتدخلات بنك السودان، ولم يكن مجرد تقارب السعرين كافيًا لإثبات حرية الحصول على النقد الأجنبي وتداوله.
ثم جاءت عائدات النفط لتضيف موردًا كبيرًا من النقد الأجنبي، وتعزز إيرادات الدولة وقدرتها على تمويل الواردات. ومع الإصلاحات النقدية والمالية، ساعد ذلك على استقرار سوق الصرف وتقارب الأسعار. وقد استقر سعر الدولار بنحو ٢٥٨ دينارًا، أي ما يعادل ٢٬٥٨٠ جنيهًا من الجنيه السوداني الأصلي، خلال الفترة من يوليو ١٩٩٩ إلى ديسمبر ٢٠٠١، لكن ذلك لم يكن نتيجة تحرير كامل لسعر الصرف، وإنما تحقق في ظل تدخل بنك السودان للمحافظة على استقراره.
ولنوضح العلاقة بمثال اقتصادي مبسط: إذا كان الطلب على الدولار يفوق ما توفره المصارف، فإن الطلب الذي لا تلبيه المصارف ينتقل إلى السوق الموازية حيث يرتفع السعر. أما إذا زادت حصيلة الصادرات وتوافرت العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية بأسعار تنافسية، فإن قدرتها على تلبية الطلب تتحسن، وتتراجع دوافع التعامل خارجها. وهكذا ساعد النفط على دعم الاستقرار، دون أن يكون ذلك دليلًا على قيام سوق حرة بالكامل.
غير أن هذه الطفرة كشفت في الوقت نفسه خطورة الاعتماد الكبير على مورد واحد. فقد أتاحت عائدات النفط فرصة لتطوير الزراعة والصناعة والبنية التحتية وتنويع الصادرات، إلا أن الاقتصاد ظل شديد التعرض لمخاطر تقلب أسعار النفط أو فقدان جانب كبير من إنتاجه وعائداته، ولم يتحقق التنويع الاقتصادي بالقدر الكافي لتجاوز تلك المخاطر.
وجاء انفصال جنوب السودان في يوليو ٢٠١١ ليكشف حجم المشكلة؛ إذ فقد السودان نحو ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي، ونحو نصف إيراداته الحكومية، وما يقارب ثلثي قدرته على تمويل مدفوعاته الخارجية. ورغم استمرار إنتاج النفط في الشمال، وحصول السودان على عائدات من نقل نفط الجنوب ومعالجته، فإن ذلك لم يعوض حجم الموارد التي فقدها.
وهكذا تراجع المعروض من النقد الأجنبي، واستمرت الحاجة إلى تمويل الواردات والإنفاق العام، فتزايدت الضغوط على الجنيه واتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي مجددًا. كما أسهم انخفاض الإيرادات الحكومية واللجوء إلى التمويل التضخمي للعجز في تفاقم المشكلة، إلى جانب اختلالات الإنتاج والتجارة والسياسات الاقتصادية، ثم الأزمات السياسية والحرب التي اندلعت في أبريل ٢٠٢٣.
وتكشف هذه التجربة الفرق بين استقرار يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات مورد طبيعي واحد، واستقرار تسنده قاعدة إنتاجية متنوعة وسياسات اقتصادية سليمة. فالأول قد يستمر سنوات، لكنه يبقى معرضًا للصدمات، بينما يمنح تنوع الإنتاج والصادرات البلاد قدرة أكبر على مواجهة تقلبات الأسواق وفقدان بعض الموارد.
وليس النفط في ذاته مشكلة، بل ثروة يمكن أن تكون رافعة للتنمية إذا استُثمرت عائداته في توسيع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتطوير البنية التحتية، وبناء القدرات البشرية، وتنمية صادرات أخرى. فالعبرة ليست بحجم الأموال التي تدخل الخزانة وحده، وإنما بما تتركه من طاقات إنتاجية مستدامة تستطيع توليد الثروة والنقد الأجنبي حتى بعد تراجع المورد الأصلي.
والدرس الأبرز من هذه التجربة أن تقارب أسعار الصرف واستقرارها لا يعنيان بالضرورة تحرير سوق النقد الأجنبي، ولا يكفيان دليلًا على سلامة السياسات الاقتصادية. فالتحرير الحقيقي يقوم على حرية بيع العملات وشرائها بأسعار يحددها العرض والطلب، ضمن سوق موحدة وشفافة وتنافسية، وهو ركن أساسي في حزمة إصلاحات اقتصادية ومؤسسية متكاملة تزيل معوقات الاستثمار والإنتاج والتجارة، وتعزز الثقة وتفتح الطريق لتوسع الإنتاج والصادرات وتنوع مصادر النقد الأجنبي. أما الاكتفاء بتقارب الأسعار أو تثبيتها دون معالجة جذور الاختلال، فلا يحقق استقرارًا اقتصاديًا مستدامًا.
وإذا كانت تجربة النفط قد أوضحت أثر الموارد الحقيقية والسياسات الاقتصادية في استقرار الجنيه، فإن تاريخ السودان شهد أيضًا تغييرًا في الوحدة النقدية، بالانتقال من الجنيه إلى الدينار ثم العودة إلى الجنيه، بما يعادل حذف ثلاثة أصفار من الجنيه القديم عبر التحويلين. فهل يؤدي تغيير الوحدة النقدية إلى استعادة قيمة العملة، أم يقتصر أثره على طريقة التعبير عنها؟ هذا ما نتناوله في مقالنا القادم، إن شاء الله، بعنوان: «الجنيه السوداني… ثلاثة أصفار حُذفت والقيمة تواصل التراجع».





