
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
ليست القضية أن نعمل فحسب، بل أن يكون عملنا صالحًا مقبولًا عند الله. فكم من عمل عظيم في أعين الناس قد يضيع أجره لفساد القصد، وكم من عمل صغير لا يلتفت إليه أحد تعظم منزلته عند الله بصدق النية وحسن الأداء. فالعبرة ليست بحجم العمل وصورته وحدهما، وإنما بحقيقته وما قام بالقلب معه.
وقد لخّص الفضيل بن عياض هذا الميزان في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فقال: «أخلصه وأصوبه»، وبيّن أن العمل لا يُقبل حتى يكون خالصًا لله، موافقًا للصواب. فالإخلاص يحفظ القصد، والصواب يحفظ العمل من الانحراف؛ إذ لا تكفي النية الحسنة لتصحيح عمل مخالف للشرع، كما لا تكفي صحة العمل في ظاهره إذا أُريد به غير الله.
ومع استيفاء أسباب القبول، يبقى العبد محتاجًا إلى فضل الله ورحمته، فلا يملك أن يجزم بقبول عمله، ولا أن يجعله سببًا للاغترار بنفسه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. والتقوى ليست مظهرًا يُرى، بل صدق في الإيمان والطاعة، وخشية لله تظهر آثارها في القلب والسلوك.
ولهذا كان الصالحون يجتهدون في الطاعة، ثم يخافون على قبولها، لا شكًا في وعد الله، وإنما خشية التقصير وفساد النية. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ عن هؤلاء، فأوضح أنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يُتقبل منهم.
وهنا يظهر الفرق بين الخوف الذي يحفظ العمل والخوف الذي يعطّله. فالمؤمن يجتهد ويحسن الظن بربه، ويخشى تقصيره دون أن يقنط من رحمته. لا يطمئن إلى نفسه فيغتر، ولا يستسلم للشك فيترك العمل، بل يجمع بين الاجتهاد والافتقار إلى الله، وبين الخوف من التقصير والرجاء في القبول.
وتبقى النية هي الفارق الخفي بين أعمال قد تتشابه في ظاهرها وتختلف في حقيقتها. قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه. فقد يعطي اثنان العطاء نفسه، ويؤديان العمل نفسه، لكن أحدهما يبتغي وجه الله، والآخر يطلب ثناء الناس. ورب عمل قليل عظّمته النية، وعمل كثير أفسده الرياء.
ولا ينتهي امتحان القلب بانتهاء العمل؛ فقد يتبعه ما ينقص أجره أو يبطله، كالمنّ والأذى في الصدقة، أو العجب الذي يجعل صاحبه يرى لنفسه فضلًا، أو التعلق بثناء الناس حتى يصبح أهم عنده من رضا الله. قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾. فالإنسان مطالب بأن يحفظ عمله من الآفات كما كان مطالبًا بإصلاح نيته عند أدائه.
غير أن مراقبة النية لا تعني تفتيشًا مرهقًا في الخواطر، ولا إعادة محاكمة كل عمل بعد الفراغ منه. فليس كل خاطر عابر رياءً، ولا كل فرح بالطاعة عجبًا، ولا كل سرور بثناء الناس دليلًا على فساد القصد. وقد سُئل النبي ﷺ عن الرجل يعمل الخير ويحمده الناس عليه، فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» رواه مسلم. وإنما الخطر حين يصبح ثناء الناس هو الغاية التي يُطلب العمل من أجلها.
ومن هنا نفهم أن صلاح العمل لا يقوم على كثرة الأداء وحدها، ولا على النية المجردة وحدها، بل على اجتماع الإخلاص وصحة العمل، مع دوام التواضع لله ورجاء فضله. وليس المطلوب أن ينشغل الإنسان بالحكم على قبول أعماله، وهو أمر لا يعلمه على وجه اليقين، بل أن ينشغل بما يستطيع: تصحيح قصده، وإتقان عمله، وتجنب ما يفسده، وسؤال الله القبول.
فالقلب السليم لا يزهو بما قدم، ولا يحتقر عملًا صالحًا لصغره، ولا ييأس بسبب تقصيره، وإنما يعمل ما استطاع، ويستغفر مما قصّر فيه، ويرجو من الله ما لا يبلغه بعمله وحده.
وهكذا يكون الميزان: إخلاص في القصد، وصواب في العمل، وتواضع بعد الإنجاز، وخوف لا يقطع الرجاء، ورجاء لا يورث الغرور. فليست العبرة بما يراه الناس من أعمالنا، بل بما يعلمه الله من حقيقتها.





