
ليست أخطر أزمات الدول تلك التي تقع في قطاع واحد، بل التي ينتقل فيها الخلل من قطاع إلى آخر، ثم يعود كل خلل ليغذي غيره، حتى لا تعود الدولة أمام مشكلات منفصلة، وإنما أمام دائرة متشابكة يعزز بعضها بعضًا.
وهذا من أخطر ما ينبغي أن ننتبه إليه في السودان.
فحين يضعف الاقتصاد ويتراجع الإنتاج، تقل فرص العمل والدخول، ويتسع الفقر والبطالة. وحين تضيق موارد الناس والدولة، يتراجع الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات والبنية الأساسية، فيضعف الإنسان نفسه الذي يفترض أن يعيد بناء الاقتصاد.
ومع ضعف الإنتاج وارتفاع تكلفته تتراجع الصادرات ويزداد الضغط على النقد الأجنبي والأسعار. وإذا عولج نقص الإيرادات بمزيد من الجبايات على نشاط ضعيف أصلًا، ارتفعت تكلفته وانكمش أكثر، فتتراجع الإيرادات من جديد، ويصبح العلاج الجزئي جزءًا من المشكلة.
وحين تتراجع الثقة في الجهاز المصرفي، تخرج التعاملات إلى خارجه ويتسع الاقتصاد غير الرسمي، فتفقد الدولة جانبًا من الأموال والبيانات والإيرادات، وكلما ضعف النظام الرسمي أصبح التعامل خارجه أكثر جاذبية، فيزداد ضعفًا.
ثم تنتقل الحلقة إلى المجتمع. فالبطالة الطويلة لا تعني فقدان الدخل وحده؛ بل قد تؤخر الزواج، وتزيد الضغوط الأسرية والهجرة، وتجعل بعض الشباب أكثر عرضة للمخدرات والجريمة، خاصة حين يجتمع الفراغ والفقر واليأس مع ضعف القانون.
ومن هنا تمتد الأزمة إلى الأمن؛ فالتهريب والجريمة والاتجار غير المشروع تجد بيئة أوسع مع ضعف فرص العمل وإنفاذ القانون. وإذا اقترن ذلك بانتشار السلاح وتعدد مراكز القوة والجباية، أصبح الخطر أوسع من مخالفات فردية، وامتد إلى وحدة القانون والسوق والدولة.
وفي الريف والأقاليم، قد يؤدي ضعف الدولة وشح الموارد والتفاوت التنموي إلى احتدام النزاع على الأرض والمياه والمراعي والخدمات، فتتحول المنافسة على الموارد إلى استقطاب اجتماعي وقبلي وجهوي، ويزداد العبء على الدولة.
ويدفع التعليم والصحة الثمن أيضًا. فالفقر يضعف قدرة الأسرة على تعليم أبنائها وعلاجهم، وشح الموارد يضعف المدارس والجامعات والمرافق الصحية، وتهاجر الكفاءات، فتتراجع نوعية رأس المال البشري الذي يحتاج إليه الاقتصاد والإدارة لإعادة البناء.
ويحدث الأمر نفسه مع الغذاء؛ فإذا ضعفت الزراعة والنقل والتخزين والطاقة وسلاسل الإمداد، ارتفعت الأسعار وزاد الاعتماد على الخارج، فتحولت مشكلة الإنتاج إلى مشكلة غذاء وصحة وقدرة على العمل.
وحين تضيق فرص العيش تتسع الهجرة والنزوح، فتفقد مناطق الإنتاج بعض قوتها البشرية، بينما يزداد الضغط على المدن وخدماتها. والأخطر هجرة العقول ورؤوس الأموال؛ فالطبيب والمهندس والأستاذ والفني ورجل الأعمال يحمل معه معرفة وخبرة وقدرة إنتاجية تراكمت عبر سنوات، وقد تعود الأموال سريعًا إذا تحسنت الظروف، أما بناء رأس المال البشري فيحتاج إلى زمن طويل.
ومع ضعف المؤسسات والرقابة قد يمتد الضرر إلى الموارد نفسها، فيزداد الاستغلال غير الرشيد للذهب والمعادن والغابات والمياه والأراضي، ويصبح علاج ضائقة الحاضر استنزافًا لنصيب المستقبل.
ثم تأتي إحدى أخطر النتائج: تآكل الثقة. فحين يرى المواطن أن القانون لا يطبق بالتساوي، والإجراءات معقدة والخدمات ضعيفة، يصبح الالتفاف على النظام أكثر قبولًا. وحين يرى المستثمر والكفاءات ذلك، يحجم بعضهم أو يغادر، فتضعف المؤسسات أكثر وتتراجع الثقة من جديد.
ولا تقف النتائج عند الداخل؛ فالدولة التي يضعف إنتاجها وماليتها ومؤسساتها تصبح أكثر اعتمادًا على الخارج في الغذاء والدواء والتمويل وغيرها، وكلما اتسع اعتمادها ضاق هامش حركتها.
وهكذا فالدولار والبطالة والمخدرات والجريمة وضعف التعليم والصحة والخدمات والهجرة والفساد ليست جزرًا منفصلة. لكل منها أسبابها، لكنها في البيئة المختلة تتشابك حتى يصبح بعضها سببًا لبعض.
ولهذا لا يكفي أن نطفئ حريقًا هنا ونترك البيئة التي تشعل حرائق أخرى هناك.
لكن لهذه الحقيقة وجهًا آخر: الحلقة التي تعمل في اتجاه التدهور يمكن أن تعمل في الاتجاه المعاكس.
فحين يقوى القانون والمؤسسات وتتحسن البيئة الاقتصادية، تزيد الثقة والاستثمارات والإنتاج وفرص العمل والصادرات، وتتسع موارد الدولة من اقتصاد أكبر، فتتحسن قدرتها على التعليم والصحة والأمن والبنية الأساسية. ومع تحسنها يصبح الإنسان أكثر إنتاجًا والبلاد أكثر جذبًا لرأس المال والكفاءات، فيقوي الإصلاح بعضه بعضًا.
والقيم جزء من هذه الحلقة؛ فالقانون والمؤسسات يحتاجان إلى مجتمع يعلي الصدق والأمانة والمسؤولية والإتقان واحترام الحقوق، كما تحتاج القيم إلى بيئة لا تجعل الفساد والتحايل أقصر الطرق لقضاء المصالح.
إذن نحن لا نتحدث عن إصلاح قطاع إلى جوار قطاع، وإنما عن منظومة: إما أن تتغذى أجزاؤها على الخلل فتنتج مزيدًا منه، أو تتغذى على الإصلاح فتنتج مزيدًا من القوة.
وهنا تكمن خطورة تأجيل الإصلاح؛ فالزمن لا يترك المشكلة في مكانها، بل قد يحول كل خلل إلى سبب لخلل آخر، ويرفع كلفة العودة كلما طال الانتظار.
لذلك فالسؤال الأكبر ليس: أي أزمة نعالج أولًا؟
بل: كيف نكسر الحلقة التي تجعل أزمات السودان تتوالد من بعضها، ثم نعكس اتجاهها لتصبح عناصر النهوض هي التي يقوي بعضها بعضًا؟





