إشتياق الكناني تكتب: لن تكسر المسيرات إرادة الحياة في أم درمان

لوّحت امرأة من أم درمان بيدها، وكأنها تقول: «يعني شنو ضرب مسيرة؟».. مشهد تختصر فيه تلك الإشارة حكاية مدينة وأهلها مع الحرب، وما خلّفته سنوات القصف والاستهداف من معاناة، حتى أصبح المشهد، رغم قسوته، مألوفاً ومتكرراً في حياة المواطنين.
أهل أم درمان عاشوا القصف الموجّه إليهم منذ انطلاق الحرب، وكانت المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية الأكثر استهدافاً وتركيزاً للنيران. قاوم المواطنون الدانات والمدافع والصواريخ الموجّهة، وواجهوا أصنافاً من الخوف والمعاناة، وصولاً إلى المسيرات التي تستهدف البنية التحتية، وكأنها تريد أن تكسر إرادة الشعب السوداني، وأن تهزم رغبته في الحياة.
لكنهم، كعادتهم، صابرون ومحتسبون، يتمسكون بالحياة رغم كل ما يحيط بهم من أوجاع. ومن اعتاد الصبر في وجه المحن، لن تهزمه المسيرات، ولن تنال من إيمانه بالحياة أو من حقه الثابت في العيش بأمان وكرامة.
ها هم أهل العاصمة الخرطوم يخرجون إلى أعمالهم وشؤون حياتهم، وكأنهم يقولون إن الدخان الذي غطّى السماء هذا الصباح لن يحجب عنهم الأمل، وإن انقطاع الكهرباء والمياه لن يمنعهم من مواصلة يومهم. يمضون متوكلين على الله، ومتمسكين بحقهم في هذه الحياة، لا يستسلمون للخوف، ولا يسمحون للمحنة بأن تصادر تفاصيل يومهم.
إنها ليست مجرد محاولة للتعايش مع واقع الحرب، بل حكاية شعب تعلّم أن ينهض بعد كل سقوط، وأن يواصل السير رغم الجراح. فالمواطن الذي قاوم القصف، وصبر على النزوح والفقد، وتمسّك بأرضه وبيته، لن يتخلى بسهولة عن حقه في الحياة، ولن يسمح للخوف بأن يصبح عنواناً دائماً لأيامه.
نعم، الحرب قاسية، واستهداف البنية التحتية يزيد معاناة الناس، ويضاعف أعباء الحياة اليومية، لكن تحميل المشهد أكثر مما يحتمل، والاستسلام للتهويل، لا يخدمان المواطن الذي يحتاج إلى الأمل بقدر حاجته إلى الأمن والخدمات والاستقرار.
نحن هنا باقون، وبأرضنا متمسكون، وبحقنا في الحياة مؤمنون. هذه الأرض للسودانيين، ولن تنكسر رايتنا، ولن تنطفئ رغبتنا في الحياة مهما تعددت وسائل الاستهداف.
قد تحجب المسيرات ضوء الكهرباء، وقد تعطل المياه، لكنها لن تستطيع أن تحجب نور الأمل من قلوب أهل السودان. فالحياة حق، والتمسك بها مقاومة، والصبر الذي صنعته المحن سيظل شاهداً على إرادة شعب لا يريد سوى أن يعيش في وطنه آمناً عزيزاً كريماً.





