مقالات

السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (10 من 10): الصورة الكاملة للإصلاح

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

بدأنا هذه السلسلة من الأعراض التي يراها السوداني كل يوم: دولار يرتفع، وأسعار تتصاعد، وإنتاج يتراجع، وخدمات تضعف، وفرص عمل تضيق، ودولة تبحث عن موارد في اقتصاد يزداد إنهاكًا.
لكن الخيط الذي جمع المقالات كلها أن هذه ليست أزمات منفصلة نعالج كلًا منها وحدها، بل نتائج لبيئة اقتصادية ومؤسسية مختلة. ولذلك كان السؤال من البداية: كيف نصلح الجذور بدل أن نظل نطارد الأعراض؟
والصورة التي انتهينا إليها تقوم على أربعة أركان تبدأ معًا: تحرير اقتصادي شامل، وحوكمة عامة صارمة، ورقمنة متكاملة، ونفاذ القانون على الجميع.
فالتحرير يزيل القيود غير الضرورية، ويفتح المنافسة، ويترك الأسعار للعرض والطلب بدل تحديدها إداريًا، ويجعل الأصل حرية الإنتاج والتجارة والاستثمار في إطار القانون.
والحوكمة تجعل القواعد واضحة ومستقرة وواحدة على الجميع، وتحمي المنافسة من الاحتكار والنفوذ، وتضبط المال العام، وتخضع القرار والإنفاق والعقود للمساءلة والشفافية.

والرقمنة لا تعني تحويل الورق إلى شاشة، بل مراجعة الإجراءات أولًا وإلغاء غير الضروري منها، ثم بناء منظومة مترابطة تختصر الزمن والتكلفة، وتقلل الاحتكاك والفساد، وتجعل المعاملة والمال العام قابلين للتتبع.
أما القانون فهو الضمان الذي يحمل ذلك كله: ملكية مصونة، وعقد محترم، وقضاء مستقل وناجز، وقواعد تنفذ على القوي والضعيف. فلا تحرير بلا قانون، ولا استثمار بلا حقوق، ولا حوكمة بلا مساءلة.
وهذه الأركان لا تنتظر بعضها بعضًا، ولا تنتظر وفرة الأموال أو اكتمال الظروف؛ بل تبدأ بالتوازي، لأن كل واحد منها يقوي الآخر، ولأن جزءًا كبيرًا من الإصلاح يتعلق بقواعد وإجراءات يمكن تغييرها قبل أن تتوافر الموارد الكبيرة.
لكن بدء الإصلاح فورًا لا يعني أن ثماره ستظهر فورًا. فالثقة تحتاج إلى ثبات، والاستثمار إلى قرار وتمويل، والإنتاج إلى دورة إنتاج، والصادرات إلى سلع وأسواق ونقل وتمويل. ولذلك يجب أن نبدأ اليوم، ونعطي الإصلاح زمنه، ونقيس تقدمه بما يتغير في البيئة والنشاط، لا بسعر الدولار والأسعار وحدهما.

وهنا تأتي مرحلة العسر، وهي أخطر مراحل الانتقال. فلا يجوز أن نطلب من الناس انتظار المستقبل بينما ينهار حاضرهم، كما لا يجوز أن نحميهم بسياسات تقتل الاقتصاد الذي سيخرجهم من الأزمة.
ولهذا تكون الحماية موجهة إلى الأشد حاجة بقدر ما تسمح به الموارد، ويُضبط الإنفاق والهدر والتمويل التضخمي، وتُستخرج أقصى منفعة من الموارد المتاحة، وفي الوقت نفسه تُخفض كلفة الإنتاج والتجارة، وتُزال القيود والجبايات غير الضرورية، وتبقى أبواب العمل والاستثمار والمنافسة مفتوحة.
والقاعدة هنا بسيطة: احمِ الإنسان من السقوط، ولا تقتل النشاط الذي سيخرجه من العسر.
وينطبق ذلك على النقد الأجنبي. فالدولار المرتفع مؤلم، لكن السعر الإداري المنخفض لا يصنع دولارًا رخيصًا إذا لم يوجد العرض الكافي عند ذلك السعر؛ بل قد يصنع ندرة وسوقًا موازية واستثناءات ويعطل النشاط.
ولذلك فالمطلوب سوق رسمية حرة وشفافة ومنظمة يلتقي فيها العرض والطلب، تحت رقابة البنك المركزي وتنظيمه وتدخله عند الحاجة وفي حدود موارده، لا أن يحل محل السوق أو يلتزم بتوفير الدولار لكل طالب بسعر يحدده إداريًا.
ولا يحتاج قيام هذه السوق إلى احتياطي يكفي كل الطلب مسبقًا؛ فالاحتياطي مهم لامتصاص الصدمات والتدخل عند الضرورة، لكنه ليس شرطًا لكي يلتقي البائع والمشتري ويكتشف السوق السعر.
ولا يتحسن الجنيه على نحو مستدام بإخفاء سعر الدولار، بل بتحسين ما وراءه: الإنتاج والصادرات والتحويلات والاستثمار والثقة والانضباط المالي والنقدي.
ومن هنا جاءت ضرورة ألا نهدر القليل المتاح.

فالذهب والمحاصيل والثروة الحيوانية والصادرات والتحويلات ورأس المال والخبرة والوقت والثقة ليست مجرد موارد نقتسم الموجود منها؛ بل أصول ينبغي أن نهيئ لها البيئة التي تجعلها تولد المزيد.
فالذهب لا تكفي زيادة إنتاجه إذا دفعت السياسات تجارته وحصيلته بعيدًا عن القنوات الرسمية. والمصدر لا يجلب الدولار وحده، بل يحرك وراءه الإنتاج والنقل والتخزين والتمويل والعمل. والمغترب لا يحول أمواله رسميًا بالأوامر، بل حين يجد السعر العادل والقناة السهلة الموثوقة. ورأس المال لا يحتاج إلى حماية من المنافسة، بل إلى حماية القانون حتى ينافس ويستثمر ويربح ويعيد الاستثمار.
والوقت مورد كذلك؛ فكل يوم تضيع فيه شاحنة في إجراء غير ضروري، وكل مشروع ينتظر موافقة يمكن اختصارها، وكل مال يتجمد سنوات في نزاع كان يمكن حسمه، خسارة حقيقية. فالاقتصاد الفقير بالمال لا يحتمل أن يكون غنيًا بالعقبات.
وهكذا لا تكون المحافظة على القليل بتجميده، بل بجعله يعمل ويتكاثر. فالدولار الذي يدخل في نشاط مجدٍ ويولد إنتاجًا أو صادرات ليس دولارًا ضاع، ورأس المال الذي يربح في المنافسة ويعاد استثماره ليس مالًا استُهلك، والمشروع الناجح لا يفيد صاحبه وحده، بل يخلق عملًا وطلبًا وخدمات وإيرادات وفرصًا لمشروعات أخرى.
ومن هنا يتحدد كذلك مفهوم الدولة القوية.

ليست الدولة القوية هي التي تحدد كل سعر، وتوزع كل دولار، وتقرر لكل تاجر ماذا يستورد ولكل مستثمر أين يضع ماله؛ بل التي تكون قوية في وظائفها الصحيحة: الأمن والقانون والقضاء، وحماية الحقوق والعقود والمنافسة، ومنع الغش والاحتكار، وإدارة السياسة النقدية والمال العام، وتوفير ما يلزم من الخدمات والبنية والمؤسسات التي لا يكفي السوق وحده لتوفيرها.
فتنظم الدولة السوق ولا تحل محلها، وتحمي المستثمر ولا تضمن له الربح، وتحصل الإيرادات من اقتصاد يتسع بدل أن تستنزف اقتصادًا ينكمش، وتستخدم الرقمنة لزيادة قدرتها وتقليل البيروقراطية، وتستعين بالقطاع الخاص والاستثمار المحلي والخارجي والشراكات وصيغ PPP وBOT حيث تكون مجدية وبعقود شفافة ومحكمة.
وعندما تجتمع هذه العناصر تبدأ الدائرة التي نريدها: تتحسن البيئة فتزداد الثقة، فتتحرك المدخرات ورؤوس الأموال والاستثمارات، فيتوسع الإنتاج والعمل والصادرات، وتزداد تدفقات النقد الأجنبي والدخول، وتتسع القاعدة التي تستمد منها الدولة إيراداتها، فتتحسن قدرتها على البنية الأساسية والتعليم والصحة والأمن والقضاء، فتزداد البيئة جذبًا للاستثمار، وتبدأ دورة جديدة على مستوى أعلى.
وهنا تتحول موارد السودان من إمكانات إلى اقتصاد يعمل. فالأرض والمياه لا تصبحان ثروة إلا بالإنتاج، والذهب والمعادن لا يكفي وجودهما تحت الأرض، والثروة الحيوانية لا تبلغ قيمتها القصوى بمجرد تصدير الحيوان، والبحر الأحمر لا يصنع الثراء بمجرد الموقع؛ وإنما تتضاعف القيمة كلما نشأت حول هذه الموارد سلاسل من الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والتمويل والتجارة والخدمات.

وفي قلب ذلك كله الإنسان؛ فالثروة ليست ما تحت الأرض وفوقها فقط، بل قدرة الإنسان على تحويل المورد والمعرفة والوقت إلى قيمة. ولذلك لا تنفصل النهضة الاقتصادية عن التعليم والتدريب والصحة والمعرفة والتقنية، ولا عن استعادة خبرات السودانيين في الخارج وأموالهم وعلاقاتهم وأسواقهم، لا باعتبارهم مصدر تحويلات فحسب، بل شركاء في الاستثمار والمعرفة والبناء.
والحرب بلا شك من أشد ما يهدم الإنسان ورأس المال والمؤسسات، وإنهاؤها ضرورة كبرى. لكن الإصلاح لا ينبغي أن ينتظر ظروفًا مثالية؛ فما يمكن إصلاحه من قواعد وإجراءات ومؤسسات، وفي كل مساحة تستطيع الدولة أن تعمل فيها، ينبغي أن يبدأ الآن ويتسع كلما اتسعت القدرة.
وهكذا تلتقي خيوط السلسلة كلها في فكرة واحدة:
لا تطارد الدولار؛ أصلح ما يضعف الجنيه.
ولا تطارد التاجر؛ أصلح ما يرفع التكلفة ويضعف المنافسة.
ولا تعالج نقص الإيرادات باستنزاف القاعدة الاقتصادية؛ وسّعها.
ولا تحمِ المنتج بمنع منافسه؛ اجعله أقدر على المنافسة.
ولا تنتظر الإنتاج والاستثمار حتى تصلح البيئة؛ أصلح البيئة ليأتي الإنتاج والاستثمار.
ولا تجعل الدولة تفعل كل شيء؛ اجعلها قادرة على أداء ما يجب عليها أن تفعله.
نبدأ اليوم بتحرير الاقتصاد، والحوكمة، والرقمنة، ونفاذ القانون، وضبط المال العام والسياسة النقدية، وحماية الإنسان والنشاط في مرحلة العسر، ثم نثبت على الطريق ونصحح أخطاءه ونترك للعمل والثقة ورأس المال والإنتاج أن تتراكم آثارها.
وعندها يتغير السؤال من: كم أصبح سعر الدولار اليوم؟ إلى: كم أنتجنا؟ وكم صدرنا؟ وكم استثمرنا؟ وكم فرصة عمل خلقنا؟ وكم معاملة اختصرنا؟ وكم حقًا حفظه القانون؟ وكم موردًا كان معطلًا فأصبح ثروة تعمل؟
تلك هي الصورة الكاملة للإصلاح: ألا نعالج نتائج الاختلال واحدة بعد أخرى، بل نبني البيئة التي تمنع توالدها وتطلق في الوقت نفسه طاقات السودان الكامنة.
ذلك هو الانتقال من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى