السودان… من مطاردة الأعراض إلى إصلاح الجذور (4 من 10): الحزمة التي لم نطبقها
بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

خلصنا في المقال السابق إلى أن مأساة السودان ليست في قلة موارده، وإنما في البيئة التي تحول بين هذه الموارد وبين أن تصبح إنتاجًا وثروة ودخلًا وفرص عمل وخدمات. ومن هنا يأتي السؤال الأهم: ما الذي ينبغي فعله؟
المشكلة، في تقديري، ليست أننا لم نجرب شيئًا من الإصلاح، بل أننا لم نطبق حزمة إصلاح متكاملة ومتزامنة تعالج البيئة كلها في وقت واحد. فكثيرًا ما أُصلح جانب وأُبقيت الجوانب الأخرى على حالها، فتعطل أثر الإصلاح أو انتقلت الأزمة من موضع إلى آخر.
وهذه الحزمة تقوم على أربعة أركان مترابطة: تحرير اقتصادي شامل، وحوكمة عامة صارمة، ورقمنة متكاملة، ونفاذ القانون على الجميع.
وأولها التحرير الاقتصادي الشامل؛ بأن نزيل القيود غير الضرورية التي تكبل الإنتاج والتجارة والاستثمار والعمل وحركة الأموال، ونفتح أبواب المنافسة، ونجعل الأصل في النشاط الاقتصادي الحرية في إطار القانون، لا انتظار الإذن والاستثناء في كل خطوة.
ويشمل ذلك سوق النقد الأجنبي. فالدولة لا تحتاج إلى مطاردة السعر في الشوارع، ولا إلى إنشاء سعر إداري ثم الدفاع عنه؛ وإنما إلى سوق رسمية حرة وشفافة ومنظمة، يلتقي فيها العرض والطلب عبر المصارف والصرافات المرخصة، ويُكتشف السعر من التعامل الحقيقي، تحت رقابة الدولة وتنظيمها، لا بتحديدها اليومي له.
ولا يعني التحرير غياب الدولة؛ بل إعادة تركيز قوتها في القانون والرقابة وحماية المنافسة والملكية والعقود والمستهلك، بدل مزاحمة الناس في نشاطهم المشروع أو جعل الإذن الحكومي شرطًا لكل خطوة.
والركن الثاني هو الحوكمة العامة. فلا قيمة لتحرير السوق إذا استطاع صاحب النفوذ أن يحصل على ما لا يحصل عليه غيره، أو تغيرت القواعد بحسب الأشخاص، أو تعددت الجهات والرسوم والقرارات المتعارضة.
نحتاج إلى قواعد واضحة ومعلنة ومستقرة تطبق على الجميع، وإلى شفافية في المال العام والعقود والمشتريات والامتيازات، ومنع تضارب المصالح والاحتكار، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وبنك مركزي مستقل في أداء وظائفه المهنية، بعيدًا عن تمويل العجز بلا ضابط أو توجيه السوق وفق احتياجات السياسة اليومية.
والركن الثالث هو الرقمنة المتكاملة، لا مجرد نقل الورق إلى شاشة.
فالرقمنة المطلوبة أن يستطيع المواطن أو المستثمر بدء معاملته ومتابعتها ودفع ما عليه والحصول على نتيجتها إلكترونيًا، وأن ترتبط الضرائب والجمارك والسجل التجاري والمدني والعقاري والتراخيص والمدفوعات وغيرها بمنظومة مترابطة، بحيث تدخل المعلومة مرة واحدة، وتنتقل حيث يلزم وفق القانون، بدل أن يحمل المواطن الملف نفسه من مكتب إلى آخر.
وهذه الرقمنة لا تختصر الزمن والتكلفة فحسب، بل تضيق مساحات الفساد والوساطة والتلاعب، وتجعل المعاملة قابلة للتتبع والمراجعة، وتوفر للدولة بيانات أفضل لاتخاذ القرار.
لكن الرقمنة لا تصلح الإجراء المعيب بمجرد تحويله إلى تطبيق. ولذلك يجب أولًا مراجعة الإجراءات نفسها: ما الذي نحتاج إليه فعلًا؟ وما الذي يمكن إلغاؤه أو دمجه؟ ثم نرقمن ما بقي. وإلا فإننا لا نكون قد أصلحنا البيروقراطية، بل جعلناها إلكترونية.
أما الركن الرابع فهو نفاذ القانون.
فلا استثمار بلا عقد محترم، ولا ملكية بلا حماية، ولا تجارة بلا قدرة على اقتضاء الحق، ولا إصلاح إذا كان القانون نافذًا على الضعيف ومترددًا أمام القوي.
ولهذا لا يكفي أن تكون القوانين جيدة على الورق؛ بل يجب أن تكون الشرطة والنيابة والقضاء قادرة على إنفاذها بسرعة وعدالة، وأن تتجه منظومة العدالة نفسها إلى الرقمنة حيث أمكن، بما يسرع الإجراءات ويحفظ الملفات ويتيح المتابعة ويقلل فرص التعطيل والتدخل.
وهذه الأركان الأربعة ليست مراحل نقول: نحرر الاقتصاد أولًا، ثم بعد سنوات نحسن الحوكمة، ثم نرقمن، ثم نصلح القضاء. بل يجب أن تبدأ معًا وتسير بالتوازي؛ لأن كل واحد منها يحتاج إلى الآخر.
فالتحرير بلا حوكمة قد يتيح للاحتكار واستغلال النفوذ أن يفرغا التحرير من غايته، والحوكمة بلا رقمنة تكون أبطأ وأصعب في الرقابة، والرقمنة بلا إصلاح للإجراءات قد ترقمن الفوضى، وكل ذلك بلا قانون نافذ يظل عرضة للانتهاك متى تغير المسؤول أو تعارضت المصالح.
ومن هنا فإن الإصلاح المطلوب ليس عشرات المبادرات المتفرقة، وإنما برنامجًا واحدًا للدولة، تتناسق داخله السياسات المالية والنقدية والتجارية والاستثمارية والقانونية والإدارية والرقمية.
ولا ينبغي أن ننتظر اكتمال البنية التحتية أو وفرة الأموال حتى نبدأ. فجزء كبير من الإصلاح يتعلق بالقواعد والإجراءات والشفافية وحرية الدخول إلى السوق وإزالة العوائق، وهذه يمكن الشروع فيها حتى في ظل شح الموارد.
أما ما يحتاج إلى رأس مال كبير، كالكهرباء والطرق والري والموانئ والتخزين والاتصالات، فليس مطلوبًا أن تموله الخزانة وحدها. فمتى أصبحت البيئة جاذبة وواضحة، أمكن لرأس المال المحلي والخارجي الدخول عبر الاستثمار المباشر والشراكات وصيغ PPP وBOT وغيرها، فتنتقل الدولة من محاولة تمويل كل شيء إلى بناء البيئة التي تجعل الاستثمار ممكنًا ومجديًا.
ولا يعني ذلك بيع أصول الدولة بلا ضوابط أو تحميلها التزامات خفية؛ فالشراكات نفسها تحتاج إلى منافسة وشفافية وعقود محكمة وتوزيع واضح للمخاطر والحقوق والالتزامات.
وقد يسأل سائل: من أين نبدأ وسط الحرب والدمار وشح النقد الأجنبي وضعف الإيرادات؟
والجواب: نبدأ من الحزمة نفسها، لا من انتظار الظروف المثالية. فكيف تتحسن الظروف إذا أبقينا البيئة التي تعطل التحسن؟
نزيل القيود غير الضرورية، ونفتح المنافسة، ونوحد الإجراءات والرسوم، ونبني المنظومات الرقمية، ونحكم المال العام، ونقوي القضاء وإنفاذ القانون، ونثبت القواعد أمام المستثمر والمنتج والمواطن؛ كل ذلك في مسار متزامن بقدر ما تسمح به القدرة التنفيذية.
وهذه هي الحزمة التي ظل غيابها، أو تطبيق أجزاء متناثرة منها دون بقيتها، يعيدنا كل مرة إلى النقطة نفسها.
فالسودان لا يحتاج إلى معجزة اقتصادية، ولا إلى انتظار خزائن ممتلئة قبل الإصلاح. إنه يحتاج إلى بيئة تجعل العمل والإنتاج والاستثمار أسهل من التعطيل، والقانون أقوى من النفوذ، والمعلومة أوضح من الغموض، والسوق الرسمية أجدى من السوق الخفية.
لكن حتى إذا بدأنا هذه الحزمة اليوم بجد وعزم، فلن تختفي الأزمات غدًا؛ فالثقة والاستثمار والإنتاج تحتاج إلى وقت حتى تستجيب للإصلاح.
ومن هنا يأتي السؤال التالي: ماذا يحدث بين يوم بدء الإصلاح ويوم ظهور ثماره؟
وهذا هو موضوع المقال القادم، إن شاء الله:
الإصلاح يبدأ اليوم… لكن ثماره لن تأتي غدًا.





