
الرجل السوداني اليوم لا يعيش حياة طبيعية حتى نطالبه أن يؤدي دوراً طبيعياً.
هناك حرب أرهقت البلاد، واقتصاد ينهش الجيوب، وأسعار لا ترحم، وأمان مفقود، ومستقبل لا يعرف أحد كيف سيكون غداً… ومع ذلك، ما زال هناك رجل يخرج كل صباح يبحث عن لقمة لأسرته، ويعود آخر النهار حاملاً فوق كتفيه تعباً لا يتحدث عنه.
ثم يدخل بيته…
فتبدأ الحرب الثانية!
أنت ما جبت…
غيرك عمل…
فلانة زوجها…
انا عايزة…
الأولاد محتاجين…
أنت ما بقيت زي زمان…
يا سيدتي… هو نفسه لم يعد كما كان!
الحرب أخذت من الجميع، لكنها أخذت من الرجل أحياناً أشياء لا يراها أحد؛ أخذت قدرته على التخطيط، واستقراره، وكرامته في بعض المواقف، وأمانه النفسي، وربما مصدر رزقه.
فلماذا نطالبه أن ينتصر في كل شيء وهو يخوض معركة يومية للبقاء؟
ليس كل رجل صامتاً مرتاحاً. وليس كل رجل قليل المال بخيلاً. وليس كل رجل عاجزاً عن تلبية طلبات بيته مهملاً.
أحياناً يكون الرجل قد أعطى آخر ما يملك… ثم وقف أمام زوجته عاجزاً عن شرح ذلك.
وهنا تظهر المعادن.
تظهر المرأة التي تقول:
(ما تشيل هم… نحن معاك)
والمرأة التي تقول:
(ربنا يفتحها عليك، المهم أنت سالم)
والمرأة التي تعرف أن زوجها في هذه المرحلة لا يحتاج إلى من يذكّره كل يوم بما عجز عنه، وإنما يحتاج إلى من يذكّره بما يستطيع.
الزواج في الرخاء سهل…
لكن الزواج الحقيقي يُختبر في زمن الشدة.
ومن العيب أن يقف الرجل في الخارج أمام قسوة الحرب، ثم يعود إلى بيته ليجد أن أقرب إنسانة إليه لا ترى فيه إلا راتباً، ومصاريف، وطلبات، ومقارنات.
نعم، للمرأة حقوق.
ونعم، عليها احتياجات ومسؤوليات.
لكن الحقوق لا تلغي الرحمة، والاحتياجات لا تلغي الظرف، والمطالبة لا تعني القسوة.
كوني زوجته… لا مدير حساباته.
كوني سنده… لا محكمة تحقيق.
فالرجل الذي يشعر أن زوجته تقدّر تعبه، قد يتحمل معها الفقر، والغربة، وضيق العيش، وطول الانتظار، لأنه يشعر أن هناك من يشاركه الحمل.
أما الرجل الذي يُهان في عجزه ويُعاير بفشله ويُقارن بغيره كل يوم، فقد لا تخسره زوجته بسبب الفقر…
قد تخسره لأنها جعلته يشعر أنه وحده.
وفي زمن الحرب تحديداً، لا تقتلنَ رجالكم مرتين.
الحرب الأولى خارج البيت…
فلا تجعلوا الثانية داخله.
اتقوا قهر الرجال.
فالرجل حين ينكسر، قد لا يبكي…
قد يصمت.
وحين يطول صمته، قد لا يكون قد تغيّر…
ربما يكون فقط قد تعب من شرح وجعه.





